نختم
هذه الخطوات العملية لاغتنام رمضان المبارك بهذا الجزء السادس، وأتمنى أن تكونوا
قد استفدتم من جميع الأجزاء السابقة -روابطها في آخر الموضوع- لكي تكونوا من الذين
سيغفر الله لهم في هذا الشهر العظيم، ومن الذين سيرحمهم، ومن الذين سيعتق رقابهم
في آخره :
الجزء السادس :
الخطوة الثالثة : معرفة حقيقة الصوم
المتبادر إلى أذهان كثير من الناس أن الصوم هو الإمتناع عن الأكل
والشرب، إلا أن مجرد الامتناع عن الأكل والشرب ومقاربة الأهل لا يحقق الغاية التي
من أجلها شُرع الصوم، وهذه الغاية ذكرها رب العالمين فقال : (يا أيها الذين آمنوا كُتِب
عليكم الصيام كما كُتب على الذين مِن قبلكم لعلكم تتقون )(117).
فالغايـة والحكمة من مشروعية الصوم (لعلكم تتقون)
نعم التقوى تلك الدرجة الرفيعة والمنزلة العالية.
ولا شكّ أنها لا تتحقق بمجرد ترك الطعام والشراب، فالصوم إذن أعظم من
ذلك، والامتناع عن هذه الأمور التي هي في الأصل مباحة في غير وقت الصيام إنما
شُرعت ليُتوصّل بها إلى ترك الأمور المحرمة على كل حال؛ وذلك أن التقرّب إلى الله
تعالى بترك المباحات لا يكمل إلا بعد التقرّب إليه بترك المحرمات، فمن ارتكب
المحرمات ثم تقرّب إلى الله تعالى بترك المباحات، كان بمثابة مَن يتركُ الفرائض
ويتقرّب بالنوافل.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : "الصيام جُنَّة، فلا يرفث،
ولا يجهل، وإن امرؤٌ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم –مرتين- " ، وفي رواية عند
البخاري : "ولا يَصخَب"(118).
ومعنى "جُنة" أي وقاية وستر والمعنى أن الصوم يستر صاحبه ويقيه من ارتكاب
المعاصي، والوقوع في المآثم الموجبة لدخول النار ، "الرّفث" فاحش الكلام،
"ولا يجهل" أي لا يفعل شيئاً من أفعال أهل الجهل كالصياح والسفه ونحو ذلك
والصخب هو الخِصام والصياح(119).
فلا يتمّ صوم المسلم بترك هذه الشهوات المباحة في غير حالة الصيام
إلا مـع ترك ما حرّمه الله في كل حال؛ من الكذب والغيبة والنميمة والعدوان على
الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : "مَن لم يدع قول الزور
والعمل به والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"(120).
ومعنى "قول الزور" في الأصل الكذب والمراد كل مخالفة بالنطق فتدخل الغيبة
والنميمة...الخ، "الجهل" وهو يطلق على جميع المعاصي(121).
وهاك تعريف الصوم ليس لغة واصطلاحاً كما هو المعهود في التعاريف،
وإنما كما عرّفه الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه حيث قال :
'إذا
صمتَ فَلْيَصُم سمعُك وبَصَرُك ولسانُك عن الكذب والمحارم، ودعْ أذى الجار، وليكن
عليك وقارٌ وسكينةٌ يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فِطْرِك سواء'(122).
إذا لم يكن في السَّمع منِّي تصاونٌ
وفي بَصَري غضٌّ
وفي منطِقي صَمتُ
فحظِّي إذاً مِن صَوْمي
الجوعُ والظَّما
فإنْ قلتُ إنِّي صُمتُ يومي فما صمت(123)
فصُم كما أمـرك الله أن تصـوم حتى تحظـى بالثواب الذي أعدَّه الله
للصـائمين والذي منه ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه
وسلم انه قال : "مَن صام رمضان، وعَرَفَ حُدوده، وتَحَفَّظ ما ينبغي أن يتحفظ كُفَّر
ما قبله"(124).
وإن يَصـم منك بطـنك فقـط فحظَّـك مِن صيـامك قول النبي صلى الله
عليه وسلم : "ربّ صائمٍ حظّهُ من صيامه الجوع والعطش، ورُبّ قائمٍ حظُّه من قيامه
السَّهر"(125).
خــاتمـة
والآن وبعد أن وفَّقك الله تعالى لاتباع الخطوات السابقة وصيام رمضان
كما ينبغي لا بدَّ أنك تتساءل أتراني من الفائزين برمضان؟! هل أنا من
الرابحين؟!
نعود إلى طرح الأسئلة من جديد :
- هل أنت عازم على الاستمرار على الطاعة؟ فإن كثيراً من الناس
بعد أن كان يصلي في آخر ليلة من رمضان إحدى وعشرين ركعة إذا به ليلة العيد لا يصلي
شيئاً، فلا تضيِّع حظَّك من الليل ولو قلّ، وكذا سائر الطاعات.
- هل أنت عازم على عدم العودة إلى المعاصي؟ فإن بعض الناس إذا
أقبل العيد انغمس في المحرمات فيهدم ما بـنى
قال سبحانه : (ولا تكونوا كالتي نَقَضَتْ غَزْلها مِن بعد قُوةٍ أنكاثاً)(126)
أخي المسلم إن من علامة قبول العمل الصالح العمل الصالح بعده.
ومن علامة قبول رمضان خاصةً تحقق ثمرة الصوم في قلبك وهي التقوى، فهل
يا تُرى تحققت في قلبك!
وفقنا الله وإياكم للصيام والقيام والاستمرار على الاستقامة.
بقلم / د . إلهام بدر الجابري
( من موقع شبكة السنة النبوية وعلومها)
****************
روابط الاجزاء السابقة :
****************
المراجـع
1) كتب التفسير :
- إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم للإمام أبي
السعود
- تفسير القرآن العظيم للحافظ إسماعيل بن كثير
- تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للشيخ عبد الرحمن
السعدي
- جامع البيان عن تأويل آي القرن للعلامة محمد بن جرير
الطبري
- الجامع لأحكام القرآن للعلامة أبي عبد الله محمد القرطبي
- فتح القدير للعلامة محمد بن علي الشوكاني
- المفردات في غريب القرآن للعلامة الراغب الأصفهاني
2) كتب الحديث :
- فتح الباري شرح صحيح البخاري
- شرح صحيح مسلم للنووي
- السنن لأبي داود
- سنن النسائي
- سنن ابن ماجة
- الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان
- المستدرك للحاكم
- الترغيب والترهيب للمنذري
- المسند للإمام أحمد
- السلسلة الصحيحة للألباني
- المتجر الرابح في بيان ثواب العمل الصالح للدمياطي
- رياض الصالحين للإمام النووي
- عمل اليوم والليلة لابن السني
- السنن الكبرى للبيهقي
3) الكتب الأخرى :
- القلب ووظائفه في الكتاب والسنة لسلمان زيد اليماني
- لطائف المعارف للعلامة ابن رجب
- لمعة الاعتقاد للإمام موفق الدين ابن قدامة
-------------------------
(117) - سورة البقرة 183 .
(118) - أخرجه البخاري ك الصوم باب فضل الصوم ح1894-4/103 ،
وح1904-4/118 ، ونحوه مسلم ك الصيام باب فضل الصيام – شرح النووي 8/31- .
(119) - انظر : فتح الباري 4/104و118، المتجر الرابح ص337 ، شرح
النووي 8/31 .
(120) - أخرجه البخاري ك الصوم باب من لم يدع قول الزور والعمل به في
الصوم ح1903-4/116، وك الأدب باب قول الله تعالى (واجتنبوا قول الزور )
ح6057-10/473 .
(121) - انظر : فتح الباري 4/117،118 .
(122) - لطائف المعارف ص292 .
(123) - المرجع السابق .
(124) - أخرجه ابن حبان في صحيحه – الإحسان ك الصيام باب فضل
رمضان ح3424-5/183- .
(125) - أخرجه أحمد في مسنده 2/373، وابن ماجه ك الصيام باب ما جاء
في الغيبة والرفث للصائم ح1690-1/539 قال البوصيري : إسناده ضعيف .
(126) - سورة النحل 92 .
