📁مقالات منشورة :

الخطوات العملية لاغتنام رمضان (الجزء الرابع)

الخطوات العملية لاغتنام رمضان (الجزء الرابع)


اخواني واخواتي القراء الفضلاء، مع الجزء الرابع من الخطوات العملية لاغتنام شهر رمضان المبارك المعظم، وارجو من الله تعالى أن يوفقنا جميعا لصيامه على الوجه المطلوب.

 

الجزء الرابع : تتمة علاج القلوب

واعلم أخي أن الجنة ليست مجرد أمنية، ولا تنال بالأماني قال سبحانه : (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب مَن يعملْ سوءاً يُجز به ولا يَجِد له من دون الله وليّاً ولا نصيراً)(68).

 

وحين زعم اليهود والنصارى أنهم أصحاب الجنة وأهلها قال تلك أمانيهم وطالبهم بالبرهان على ما يقولون قال سبحانه : (وقالوا لن يدخل الجنة إلا مَن كان هوداً أو نصارى تلك أمانيّهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)(69).

واستمعْ جيداً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم  : "الكيّس مَن دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز مَن اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني"(70).

فهل تتمنى الدرجات العلا من الجنة، وهل تريد الفردوس الأعلى؟! إذن عليك أن تكبح جماح هواك، وأن تلجم نفسك بلجام التقوى.

وإليك صفات أهل الفردوس أعاننا الله وإياك على بلوغ منزلتهم قال الله سبحانه : (قد أفلح المؤمنون، الذين هم في صلاتهم خاشعون، والذين هم عن اللغو معرضون، والذين هم للزكاة فاعلون، والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون، والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون، والذين هم على صلواتهم يحافظون، أولئك هم الوارثون، الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون)(71).

ولتتذكَّر دائماً قوله تعالى : (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون)(72).

 

ثالثاً : التوبة النصوح قال سبحانه : (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً)(73).

وقد ذكر سبحانه شرائط التوبة فقال عز وجل : (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون )(74).

              

(ذكروا الله) : بالخوف من عقابه والحياء منه.

(فاستغفروا لذنوبهم) : أي طلبوا الغفران لأجل ذنوبهم.

(ولم يصروا على ما فعلوا) : اقلعوا عما فعلوا وعزموا على أن لا يعودوا.(75)

 

ثم ماذا كان عاقبة صبرهم عن المعصية وصبرهم على الطاعة! استمع إلى قول الكريم سبحانه : (أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين)(76).

إنها ليست جنة واحدة وإنما جنـات، فنعم أجـر العاملين.

 

وقد ذكر سبحانه لعباده موجبات مغفرته فقال : (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى)(77) .

(تـاب) : التوبة النصوح.

(آمـن) : آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.

(وعمل صالحاً) : من أعمال القلب والبدن وأقوال اللسان قال صلى الله عليه وسلم : "اتّق الله حيثما كنت، وأتبع السّيِّئة الحسنةَ تَمْحُها وخالق الناس بخلق حسن"(78).

(ثم اهتدى) : سلك الصراط المستقيم، وتابع الرسول الكريم، واقتدى بالدين القويم(79).

 

فأيّهما أسهل أخي المسلم مجاهدة النفس لحظات حتى يذهب خاطر المعشية أو مقاساة مرارة المعصية دهراً ومعاناة التوبة حتى تُقبل، قال ابن الجوزي رحمه الله: 'ومنهم مَن يقول سأتوب وأصلح، وكم من ساكن الأمل من أبله، فاختطفه الموت قبله، وليس من الحزم تعجيل الخطأ وانتظار الصواب، وربما لم تتهيّأ التوبة، وربما لم تصح، وربما لم تُقبل، ثم لو قُبلت بقي الحياء من الجناية أبداً؛ فمرارة خاطر المعصية حتى تذهب أسهل من معاناة التوبة حتى تُقبل'(80).

والآن وبعد أن أفرغت قلبك ونظفّته من أدران المعصية ابدأ بملئـه بالإيمان وزيّنه بحلل الطاعة، قال صلى الله عليه وسلم  : "القلوب أوعية وبعضها أوعى من بعض .."(81)

 

رابعاً : العمل الصالح وهو يزيد في الإيمان، ويمحو أثر العصيان، ويقي فتن الزمان، ويُثبت على الدين. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال : "بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يُصبح الرجل مؤمناً، ويُمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا)(82).

 'معنى الحديث : الحث على المبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل تعذرها والاشتغال عنها بما يحدث من الفتن الشاغلة المتكاثرة المتراكمة كتراكم ظلام الليل المظلم لا المقمر، ووصف صلى الله عليه وسلم  نوعاً من شدائد تلك الفتن وهو أنه يمسي مؤمناً ثم يصبح كافراً أو عكسه شكّ الراوي؛ وهذا لِعظم الفتن ينقلب الإنسان في اليوم الواحد هذا الانقلاب والله أعلم'(83)، وعنه أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال : "بادروا بالأعمال سبعا، هل تنتظرون إلا فقراً مُنسياً، أو غِنىً مُطغياً، أو هرَماً مُفْنداً، أو مَوتاً مُجهزاً، أو الدجَّال فشَرُّ غائبٍ يُنتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمرُّ"(84).

 

ومن الأعمال الصالحة الصلاة، فعن ثوبان رضي الله عنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "عليك بكثرة السجود لله فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة وحطَّ عنك بها خطيئة"(85).

وعن ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه قال : كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم  فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي : "سل" ، فقلت : أسألك مرافقتك في الجنة، قال : "أو غير ذلك" ، قلت : هو ذاك ، قال : "فأعني على نفسك بكثرة السجود"(86). والمراد بالسجود في الحديثين الصلاة(87)

 

ومنها الصيام، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال : "الصيام والقرآن يَشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام : أي رب مَنَعته الطعام والشهوة فشفِّعني فيه، ويقول القرآن : منعته النوم بالليل فشفِّعني فيه، قال : فيُشَفَّعَان"(88).

وكان النبي صلى الله عليه وسلم  يصوم من شعبان ما لا يصوم من غيره من الشهور فعن عائشة رضي الله عنه قالت : 'ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم  استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صياماً منه في شعبان'(89).

' ولما كان شعبان كالمقدمة لرمضان شُرع فيه ما يُشرع في رمضان من الصيام وقراءة القرآن؛ ليحصل التأهُّب لتلَقِّي رمضان، وترتاض النفوس بذلك على طاعة الرحمن'(90).

 

الصدقة : عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال : "ألا أدلك على أبواب الخير؟"، قلت : بلى يا رسول الله ، قال : "الصوم جُنّة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار"(91)، وعن أنس رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : "إن الصدقة لتطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء"(92).

 

قراءة القرآن : وهي من أيسر العبادات ومن أعظمها أجراً قال عليه الصلاة والسلام : "مَن قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف)(93).

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : "يقال لصاحب القرآن : اقرأ وارْقَ ورّتِّل كما كنت تُرتِّل في الدنيا؛ فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها "(94).


روابط الاجزاء السابقة :  1  2  3                                     

                                                                            

---------------------------

(68) - سورة النساء 123 .

(69) - سورة البقرة 111 .

(70) - أخرجه الترمذي ك صفة القيامة باب لم يسمه ح2577-4/54 قال الترمذي: هذا حديث حسن ، وأخرجه أحمد 4/124، وابن ماجه ك الزهد باب ذكر الموت والاستعداد له ح4260-2/1423، وضعفه الألباني رحمه الله في ضعيف الجامع ح4310-4/167 .

(71) - سورة المؤمنون 1-10 .

(72) - سورة الجاثية 21 .

(73) - سورة التحريم 8 .

(74) - سورة آل عمران 135 .

(75) - انظر الجامع لأحكام القرآن 2/210،211 .

(76) - سورة آل عمران 136 .

(77) - سورة طه 82 .

(78) - أخرجه الترمذي ك البر والصلة باب ما جاء في معاشرة الناس ح2053-3/239 ، قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .

(79) - انظر تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 5/179 بتصرف .

(80) - تلبيس إبليس ص44 .

(81) - أخرجه أحمد 2/177 لكن فيه عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف .

(82) - أخرجه مسلم ك الإيمان باب الحث على المبادرة بالأعمال .. –شرح النووي 2/133- .

(83) - شرح صحيح مسلم للنووي 2/133 .

(84) - أخرجه الترمذي ك الزهد باب ما جاء في المبادرة بالعمل ح2408-3/378 قال الترمذي هذا حديث غريب حسن … .

(85) - أخرجه مسلم ك الصلاة باب فضل السجود والحث عليه – شرح النووي 4/205،206 .

(86) - أخرجه مسلم في الموضع السابق .

(87) - انظر شرح صحيح مسلم للنوي 4/205،206 .

(88) - أخرجه أحمد 2/174، والحاكم في المستدرك 1/554 وقال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه . ووافقه لذهبي .

(89) - أخرجه البخاري ك الصوم باب صوم شعبان ، ومسلم ك الصيام باب صيام النبي صلى الله عليه وسلم  في غير رمضان .

(90) - لطائف المعارف ص258 .

(91) - أخرجه الترمذي ك الإيمان باب ما جاء في حرمة الصلاة ح2749- 4/124 مطولاً ، قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .

(92) - أخرجه الترمذي ك الزكاة


aboussalih
aboussalih
ينشر في هذا الموقع كل ما له علاقة بالاسلام والمجتمع
تعليقات