نتابع معكم اخواني واخواتي القراء الافاضل، اهم الخطوات العملية
لاغتنام هذا الشهر الكريم الذي هو شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار.
الجزء الثاني :
ولكي تعلم أخي المسلم أقلبك حي أم ميت أم مريض لا بد أن تفحصه
جيداً وتعرضه على كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ففيهما
صفات القلب الحي والمريض والميت.
وإليك هذه الصفات :
أولا) من صفـات القلب الحي :
الخشوع :
قال الله سبحانه وتعالى : (ألم يأنِ للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا
يكونوا كالذين أُوتوا الكتاب من قبلُ فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم
فاسقون )(15).
وقد كان من دعائه صلى الله عليه وسلم : "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع"(16).
والعلامة المميزة لأهل الخشوع هي حب الصلاة والصبر على كل ما أتى
من عند الله، قال تعالى : (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين)(17)؛ فإنها سهلة خفيفة لأن الخشوع وخشية الله ورجاء ما عنده يوجب له
فعلها منشرحاً صدره، لترقبه للثواب وخشيته من العقاب(18).
والخشوع وإن كان أصله في القلب إلا أنه ولا بدّ أن يظهر أثره على
الجوارح فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه
كان إذا ركع قال : "اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي
وعصبي"(19).
تقوى القلوب :
والتّقوى عبارة عن كمال التوقي عما يضرّ في الآخرة(20)، قال تعالى : (ذلك ومن يُعظِّم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)(21)، وقال سبحانه أيضاً : (إن الذين
يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى)(22).
وجل القلب : قال الله تعالى : (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تُليت عليهم
آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون)(23) أي إذا ذكرت عظمة الله وقدرته لم تطمئن قلوبهم إلى ما قدموه
من الطاعة، وظنوا أنهم مقصرون، فاضطربوا من ذلك وقلقوا(24)، ولهذا لما قالت عائشة رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه
وسلم في قول الله سبحانه وتعالى : (والذين يؤتون
ما آتوا وقلوبهم وجلة انهم إلى ربهم راجعون)(25) أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال : "لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، وهم يخافون
أن لا تُقبل منهم، أولئك الذين يسارعون في الخيرات)(26).
ثانيا) من صفات القلب المريض :
زيغ القلب :
قال الله تعالى : (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أمّ الكتاب وأخر
متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء
تأويله وما يعلم تأويله إلا الله…)(27).
قال الشيخ محمد السعدي رحمه الله في تفسير الآية : 'إن هذا الكتاب
يحتوي على المحكم الواضح المعاني البيّن، الذي لا يشتبه بغيره. ومنه آيات متشابهات،
تحتمل بعض المعاني، ولا يتعين منها واحد من الاحتمالين بمجردها، حتى تُضمّ إلى
المحكم.
فالذين في قلوبهم مرض وزيغ وانحراف لسوء قصدهم يتبعون المتشابه منه،
فيستدلون به على مقالاتهم الباطلة، وآرائهم الزائفة، طلباً للفتنة، وتحريفاً
لكتابه، وتأويلاً له على مشاربهم ومذاهبهم ليضلوا ويُضلّوا'(28).
والزيغ هو الميل إلى طريق الضلال وكان من دعاء المؤمنين ما جاء في
قوله تعالى : (ربنا لا تُزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت
الوهاب)(29).
وعن أنس رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
يُكثر أن يقول : "يا مُقَلّب القلوب ثبت قلبي على دينك"، فقلت : يا نبي الله آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا؟
قال : "نعم إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يُقَلّبُها كيف شاء"(30).
غل القلب :
والغل هو الحقد والضغينة وهو مرض يصيب القلب وقد يسبب
له الموت إن لم يتداركه صاحبه؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال : "لا يجتمع في جوف عبد غبار في سبيل الله وفيح جهنم، ولا يجتمع في جوف
عبد الإيمان والحسد"(31) ولهذا حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم أمته من الغِلّ فقال :
"ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم أبداً : إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة
الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم"(32). فهذه الخصال تطهر القلب من الدغل والخيانة والشر(33).
غِلَظ القلب :
والغِلظة مرض من أمراض القلوب والمراد بها القسوة،
وقد امتنَّ الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم أن جعله ليِّناً رفيقاً فقال :
(فبما رحمة من الله لِنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضُّوا من
حولك فاعف عنهم واستغفر لهم)(34).
وذلك أن القلب إذا اتّصف بالغلظة وأصبحت ملكة فيه لا بد أن يتبعها
كل صفة ذميمة، سواء ظهرت حالاً أو مآلاً، فلا تنزع الرحمة إلا من شقي(35).
الكبر :
عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه
وسلم قال : "لا يدخل الجنة مَن كان في قلبه مثقال حبة من كبر"، فقال رجل : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنة،
قال : "إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس"(36) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لما سُئل عن هذا الحديث هل هو
مخصوص بالمؤمنين أو بالكفار؟ : 'الكبر المباين للإيمان لا يدخل صاحبه الجنة، ومن
هذا كبر إبليس وفرعون وغيرهما ممن كان كبره منافياً للإيمان، والكبر كله مباين
للإيمان الواجب؛ فمن في قلبه مثقال ذرة من كبر لا يفعل ما أوجبه الله عليه، ولا
يترك ما حرّم الله عليه، بل كبره يوجب له جحد الحق واحتقار الخلق، وهذا هو الكبر
الذي فسّره النبي صلى الله عليه وسلم ، فمن كان مضيعاً للحق الواجب، ظالماً للخلق؛
لم يكن من أهل الجنة، ولا مستحقاً لها، بل يكون من أهل الوعيد، لكن إن تاب، أو
كانت له حسنات ماحية لذنبه، أو ابتلاه الله بمصائب كفّر بها خطاياه، ونحو ذلك؛ زال
ثمرة هذا الكبر المانع من له من الجنة، فيدخلها'(37).
ثالثا) من صفات القلب الميت :
وموت القلب متفاوت وهو درجات فهناك موت دون موت ومن صفاته بدءً
بالأقل :
لهو القلب :
اللهو ما يَشغَل الإنسان عما يعنيه ويَهمه، يقال لهوتُ
بكذا ولَهَيتُ عن كذا اشتغلتُ عنه بلهو، ويُعبر عن كل ما به استمتاع باللهو(38).
قال سبحانه : (اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون، ما يأتيهم من ذكر من ربهم
محدث إلا استمعوه وهم يلعبون، لاهية قلوبهم)(39) أي ساهية قلوبهم معرضة عن ذكر الله مشتغلة بما لا يعنيها عن
التأمل والتفهم(40).
ولهذا حذّر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كثرة الضحك فعن
أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا تكثروا الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب )(41).
القلب المغمور :
وهو نتيجة استمرار الإصرار على المعاصي، والانهماك
في اللهو، قال سبحانه : (بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون )(42).
' والغمرة : غطاء يغطي القلب عن فهم ما أودع الله كتابه من المواعظ
والعبر والحجج'(43).
' فاللهو في الشهوات ناتج من ضعف البصيرة وقلة العلم واتباع الهوى،
فيغمر القلب بالمعاصي، ويزيّن له الشيطان تلك الغوايات، فيرى ما فيه هو الحق وما
عداه ضلال، فإذا العبد في درك أشد مما قبله؛ فبجهله بمصالح نفسه وظلمه لها، يسعى
فيما يضرّها وهو يظن أنه ينفعها، وإذا بلغ هذا المبلغ ظهر على القلب نكران كل ما
يرد عليه مما لا يتصوّره، فليس للقلب تعقل صحيح يفرّق بين الحسن والقبيح إلا ما
تمليه الأهواء، فإذا بالقلب يتّسم بصفة النكران، فيسمى القلب المنكر'(44).
القلب المنكر :
وهو القلب الذي لا يقبل الوعظ ، ولا ينجع فيه الذكر(45). قال سبحانه في وصف الكفار : (فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون)(46)، وقال سبحانه أيضاً في وصف عموم الناس : (يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون)(47) وعلى هذا فالإنكار نوعان :
الأول : إنكار جهل ناتج عن قلة العلم بسبب الانغماس في ملاهي
الحياة وهو ما لم يقبله قلبه ولم يعترف به لسانه، فهذا النوع مرض من الأمراض قد
يزول إذا وجد النور طريقه إلى نور الفطرة الكامن في القلب.
الثاني : إنكار كبر وجحود؛ وهذا ناتج عن كفر بعد معرفة تامة(48).
رابط الجزء السابق: اضغط على هنا
---------------
(15) - سورة الحديد 16 .
(16) - أخرجه مسلم ك الذكر 18 ح 2722 .
(17) - سورة البقرة 45 .
(18) - انظر القلب ووظائفه في الكتاب والسنة ص102 .
(19) - أخرجه مسلم ك صلاة المسافرين باب صلاة النبي صلى الله عليه
وسلم ودعائه في الليل ح201 مطولاً .
(20) - تفسير أبي السعود 1/27 .
(21) - سورة الحج 32 .
(22) - سورة الحجرات 3 .
(23) - سورة الأنفال 2 .
(24) - الفروقات اللغوية ص202 نقلاً من القلب ووظائفه ص129 .
(25) - سورة المؤمنون 60 .
(26) - أخرجه الترمذي ك التفسير باب سورة المؤمنون ح3225-5/9 .
(27) - سورة آل عمران 7 .
(28) - تفسير الكريم الرحمن 1/357 .
(29) - سورة آل عمران 8 .
