احبائي القراء الاعزاء مع الجزء ما قبل الاخير من الخطوات العملية
لاغتنام هذا الشهر الكريم، والذي أرجو من العلي القدير أن يعتق رقابنا جميعا من النار
في آخره :
الجزء الخامس :
فالبـدار البـدار إلى الأعمال الصالحة قبل فوات الأوان وقبل أن
تنادي : (رب ارجعون، لعلي أعمل صالحاً فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن
ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون)(95) ، (أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرّطت في جنب الله وإن كنت لمن
السّاخرين، أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين، أو تقول حين ترى العذاب لو
أن لي كرة فأكون من المحسنين)(96).
بشـرى ما ان تضع أخي المسلم قدميك على طريق الاستقامة وتخطو خطوتك
الأولى حتى يبارك الله ذو الفضل والإحسان فيها، قال سبحانه : (والذين اهتدوا زادهم هدى
وآتاهم تقواهم )(97)، وقال (ولو أنهم فعلوا ما يُوعظون به لكان خيراً لهم وأشدّ تثبيتاً، وإذاً
لآتيناهم من لدنّا أجراً عظيماً، ولهديناهم صراطاً مستقيماً)(98).
واحـذر من التردد والتسويف وتأجيل التوبة والإصرار على المعصية فإن
الله عز وجل يقول : (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين)(99).
يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله : '(فلما زاغوا) أي انصرفوا عن الحق
بقصدهم،
(أزاغ الله قلوبهم) عقوبة لهم على زيغهم، الذي اختاروه لأنفسهم، ورضوه لها، ولم
يوفقهم الله للهدى؛ لأنهم لا يليق بهم الخير، ولا يصلحون إلا للشر.
(والله لا يهدي القوم الفاسقين) أي الذين لم يزل
الفسق وصفاً لهم، ليس لهم قصد في الهدى. وهذه الآية الكريمة تفيد أن إضلال الله
لعبيده ليس ظلماً منه ولا حجة لهم عليه؛ وإنما ذلك بسبب منهم، فإنهم الذين أغلقوا
على أنفسهم باب الهدى بعدما عرفوه، فيجازيهم بعد ذلك بالإضلال والزيغ، وتقليب
القلوب عقوبة لهم وعدلاً منه بهم'(100).
واعلـم أن طريق الجنة واحد هو ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى
الله عليه وسلم، فلا تحيد عنهما ولا تميل إلى غيرهما من الأهواء والملل الباطلة.
قال المصطفى صلى الله عليه وسلم : "كل أمتي يدخلون الجنة إلا
مَنْ أَبى" قالوا : يا رسول الله! ومَن يأبى؟ قال : "مَن أطاعني دخل الجنة،
ومَن عصاني فقد أبى"(101).
الخطوة الثانية : شحذ الهِمّة
ويكون شحذ الهمة بتعريف النفس بفضائل شهر رمضان وفضل الأعمال
الصالحة فيه، وإليك هذه الفضائل :
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إذا جاء رمضان
فتحت أبواب الجنة، وغُلقت أبواب النار وصُفدت الشياطين"(102).
وعن سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إن في الجنة باباً يقال له
الريّان يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال : أين
الصائمون؟ فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أُغلق فلم يدخل منه أحد"(103).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
"قال الله عز وجل : كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام
جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل إني
امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك،
للصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه"(104).
ولبعض الأعمال الصالحة مزية خاصة في رمضان منها ما يلي :
القيام :
قال صلى الله عليه وسلم : "مَن قام رمضان إيماناً
واحتساباً غُفر له ما تقدّم من ذنبه"(105)، وأكده قيام العشر
الأواخر من رمضان فعن عائشة رضي الله عنه قالت : 'كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم إذا دخل العشر شدَّ مئزره، وأحيى ليله، وأيقظ أهله'(106)، وعنها أيضاً قالت : 'كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره '(107).
وذلك طلباً ليلة القدر قال سبحانه : (ليلة القدر خير من ألف
شهر)،
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "مَن قام ليلة القدر
إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه"(108).
ويستحب أن يكثر الدعاء في هذه الليلة، فعن عائشة رضي الله عنها أنها
قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : أرأيت إنْ وافقت ليلة القدر ما أقول فيها؟
قال : "قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني"(109).
فيـا مَن ضاع عمره في لا شيء، استدرك ما فاتك في ليلة القدر؛ فإنها
تُحسب بالعمرُ.
الاعتكاف :
عن ابن عمر رضي الله عنه قال : 'كان الرسول صلى الله عليه وسلم
يعتكف العشر الأواخر من رمضان'(110)، والاعتكاف من
العبادات التي تجمع كثيراً من الطاعات؛ من الصلاة وتلاوة القرآن، والذكر، والدعاء،
والصيام وغيرها.
الصدقة :
فعن ابن عباس رضي الله عنه قال : 'كان النبي صلى الله عليه وسلم
أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه
القرآن، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان حتى ينسلخ؛ يَعرِض عليه القرآن،
فإذا لقيه جبريل عليه السلام كان أجود بالخير من الريح المرسلة'(111).
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال : "أفضل الصدقة الصدقة في رمضان"(112).
قراءة القرآن :
سبق أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدارسه جبريل القرآن في رمضان،
وهكذا كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح يحرصون على الإكثار
من تلاوة القرآن في هذا الشهر الفضيل، فهذا عثمان رضي الله عنه كان يختم كل يوم
مرة، وهذا الأسود كان يختم القرآن كل ليلتين، وكان للشافعي ستون ختمة في رمضان
يقرؤها في غير الصلاة. والغرض الإكثار من تلاوة القرآن مع التدبر والتفكر لا مجرد
القراءة.
تفطير الصائم :
عن زيد بن خالد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "مَن فطّر صائماً فله مثل
أجره من غير أن يَنقص من أجر الصائم شيئا"(113).
العمرة في رمضان :
فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "عمرة في رمضان تعدل حجة"(114).
بعد الاطلاع على هذه الفضائل حريٌّ بالعاقل أن يجدّ ويجتهد في هذا
الشهر فهو شهر واحد في كل عام، وهي أيام معدودات سرعان ما تنقضي.
فعُـدَّ نفسك في زمن اختبار وامتحان؛ فاللهو في أيام اختبارات
الدنيا عند الناس يُعـد سفهاً وتفريطاً، فما بالك في أيام اختبار الاستعداد للآخرة.
واحرص على كل ساعة فيه فإن الساعة في رمضان ثمينة لا تعدلها
الساعات في غيره.
وقد
قال :
سلامٌ هيَ حتى مَطلعَ
الفجرِأَلا
فادّخرُوها إِنها مِن
أَنْفَـسِ الذُّخْرِ
فكم مِن مُعتَقٍ
فيـها
من النار ولا يدري(115)
قال الله تعالى : (وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى، يقول يا ليتني
قدّمت لحياتي)(116)
روابط الاجزاء السابقة : 1 2 3 4
-------------------------
(95) - سورة المؤمنون 99،100 .
(96) - سورة الزمر 56-58 .
(97) - سورة محمد 17 .
(98) - سورة النساء 66-68 .
(99) - سورة الصف 5 .
(100) - تيسير الكريم الرحمن 7/367،368 .
(101) - أخرجه البخاري ك الاعتصام باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى
الله عليه وسلم ح7280 – فتح الباري 13/248 - .
(102) - أخرجه البخاري ك الصوم باب هل يقال رمضان ح1899- 4/112 ،
ومسلم ك الصيام باب فضل رمضان –النووي 7/187-واللفظ لمسلم .
(103) - أخرجه البخاري ك الصوم باب الريان للصائمين ح1896-4/111 ،
ومسلم ك الصيام باب فضل الصيام –النووي 8/33- .
(104) - أخرجه البخاري في عدة مواضع منها في ك الصوم باب هل يقول إني
صائم إذا شُتم ح1904-4/118، ومسلم ك الصيام باب فضل الصيام-النووي 8/31- .
(105) - أخرجه البخاري ك صلاة التراويح باب فضل من قام رمضان ح2009-
4/250، ومسلم ك صلاة المسافرين باب الترغيب في صلاة التراويح –شرح النووي6/40- .
(106) - أخرجه البخاري ك فضل ليلة القدر باب العمل في العشر الأواخر
ح2024-4/269 ، ومسلم ك الاعتكاف باب الاجتهاد في العشر الأواخر من رمضان –النووي
8/70 - .
(107) - أخرجه مسلم في الموضع السابق .
(108) - أخرجه البخاري صلاة التراويح باب فضل ليلة القدر 4/255 ،
ومسلم في صلاة المسافرين باب الترغيب في صلاة التراويح –شرح النووي 6/40-.
(109) - أخرجه الترمذي ك الدعوات باب لم يسمه ح3580-5/195 وقال : هذا
حديث جسن صحيح ، وابن ماجه ك الدعاء باب الدعاء بالعفو والعافية ح3850-2/ 1265،
وأحمد 6/171 .
(110) - أخرجه البخاري ك الاعتكاف باب الاعتكاف في العشر الأواخر
ح2025-4/271 .
(111) - أخرجه البخاري في عدة مواضع منها ك الصوم باب أجود ما كان
النبي صلى الله عليه وسلم يكون في رمضان ح1902-4/ 116، وأخرجه مسلم ك
الفضائل باب جود النبي صلى الله عليه وسلم 15/86 .
(112) - أخرجه الترمذي ك الزكاة باب ما جاء في فضل الصدقة ح657-2/86
قال الترمذي : هذا حديث غريب ، وصدقة بن موسى ليس عندهم بذاك القوي .
(113) - أخرجه الترمذي ك الصوم باب ما جاء في فضل من فطر صائماً
ح804-2/151، وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح ، وابن ماجه ك الصيام باب
صيام أشهر الحرم ح1746-1/ 555، وأحمد 4/114 .
(114) - أخرجه البخاري ك العمرة باب عمرة في رمضان ح1782-3/603،
ومسلم ك الحج باب فضل العمرة في رمضان 9/2 .
(115) - لطائف المعارف ص352 .
(116) - سورة
الفجر 23،24 .
