random
مقالات عشوائية :

وصايا للثبات بعد رمضان

وصايا للثبات بعد رمضان


    إن شهر رمضان أيقظنا من غفلتنا وأحيى قلوبنا، ووهبنا معه الخشوع والخضوع، ومُلأت قلوبنا بحب الله العظيــم ورسوله. وكل قلب مؤمن سيشعر بألم فراق هذا الضيف الغالي ويخشى ألا نتقابل مرة اخرى معه.
ويتساءل الكثيرون عن كيفية الثبـات على الطاعات بعد رمضان.
ومن أجل ذلك هذه بعض الوصايــــا الهامة في فقه الطريق بعد رمضـــان  :

أولا: احذر مكر الشيطـان المُصفد منذ شهر كامل 

    ان الشيطان أعدى أعداءك وقد مُنع من كيده لك طوال شهر رمضــان، فسيعود بكل حقد وغِل لكي يوقعك بعده من خلال ثلاث طُرق : 

1) أن يوقعك في الذنوب والتقصير لكي تيأس 

   فبعد أن كنت عاهدت ربك على عدم الوقوع في الذنوب بعد رمضان، يجعلك تقع في هذه الذنوب لكي تيأس وتُحبط .. قال تعالى : ( وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا) الفرقان الآية 29. كأن تُضيِّع صلاة الفجر، بعد أن كنت قد أقسمت على نفسك أن تُدرك جميع الصلوات في أول وقتها، فعليك أن تستدرك ما فـــاتك، إذا أوقعك في ذنب، استدركه بالاستغفـــار والإستعاذة بالله من الشيطــان الرجيـــم، وتحداه وأعزم على ألا يهزمك مرةً أخرى. 

2) الاعجاب بالعمل

   قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:   "ثلاث مُهلكــــات : هوى متبع وشح مطاع وإعجاب المرء بنفسه وهي أشدهن" رواه البيهقي وحسنه الألباني .والعُجب هو سبب الانتكاس والفتور الذي يحدث بعد رمضــان، كما قال تعالى:  (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ) محمد الآية 25.
وعلامة الإعجـــاب: أن تتوقف عن العمل، فيجعلك تكتفي بالأعمال التي قمت بها في رمضان ولا تزد عليها، فاحذر!

 3) الغرور وطول الأمل 

    قال تعالى :  (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا) النساء الآية 120.
فيجعلك تركب بحر الأماني، ويُضيع منك الفرص بحجة أن هناك فرص أخرى كثيرة لكي تعوض ما فاتك، بل لابد أن تتخذ القرار بالتغيير الحقيقي، لأن هذه هي علامة قبول رمضـــان. لذا عليك أن تقف وقفة حساب ومُعاتبة مع النفس، وتضع خطة إيمانية لكي تستمر على الطاعات بعد رمضان، فتُحدد أهدافك الإيمانية التي ستعمل عليها من شوال حتى رمضان القادم إن شاء الله. ولابد أن يكون هدفك واضح ومحدد وواقعي، قابل للقياس وليس مجرد شعارات، فإن حددت أن تحفظ عدد مُعين من أجزاء القرآن هذا العام، لابد أن يكون مقدار حفظك مناسب لإمكانياتك وقدراتك، فلا تقل سأحفظ جزء يوميًا مثلاً، ووقتك وقدراتك لا يسمحان بذلك فتقع في اليأس والإحباط.

ثانيا: تطهير النفس من الآفات

    عليك أن تُحدد ثلاث آفات وعادات سيئة تعاني منها، وتحدد لها برنامج عملي دقيق للتخلص منها خلال الفترة القادمة، وتتضرع إلى الله عز وجلَّ كي يُخلصَّك من هذه الذنوب والآفات.
ومن الآفاق التي عليك أن تسعى لتطهير نفسك منها : 

1- التكاسل عن الطاعة

   فإذا عَلِمَت انك متكاسل عن الطاعة، وأدركت ان الكسل من علامات النفاق كما قال تعالى : (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى) النساء الآية 142. تنشَّط واشحذ همتك كي لا تكون على هذا الخطر الكبير. واستدفع الكسل بهذا الدعاء الذي كان يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم : "اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والبخل والهرم وأعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المحيى والممات" رواه أبو داوود وصححه الألباني.

2- التباطؤ في الطاعات

   ان كل مَنْ وجد نفسه متباطئ في الطاعات فان ذلك سيؤدي به الى الفتن، وهو يعلم أن هذا من أسباب عذاب القبر؛ لأن العمل الفاجر يأتي صاحبه في القبر فيقول : 'أنا عملك الخبيث كنت بطيئا عن طاعة الله سريعا في معصيته فجزاك الله بشر'، اذا فكل من لم يرضى بهذا الحال لنفسه عليه ان يلتحق بزمرة المُسارعين في الخيرات.

3-الشُح

   اذا وجد الانسان نفسه شحيحة، عليه ان يعلم بان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدا" رواه النسائي وصححه الألباني، فخاف على نفسه من الوقوع في الكفر، وقرر أن ينجح مع الله تعالى.

4- الرياء

   وهذا وجد ان نفسه تُحب أن يرى الناس أعمالها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر الرياء، يقول الله يوم القيامة إذا جزي الناس بأعمالهم : اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء"  فيأخذ القرار بأن يُعلِّم نفسه الإخلاص، وهذا بأن يُخلِّص قلبه من إلتفاته للناس فلا يكون لهم وزن في قلبه، لذا يُكثِّر من أعمال السر، التي لا يطلع عليها أحد سوى الله عز وجل ويدعو الله أن يرزقه الإخلاص.

5- الغفلة

   الغفلة هي السبب في الطبع الذي يحدث على القلب، فتقف في الصلاة ولا تفقه شيئًا مما يُقال، قال تعالى : (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) الأعراف الآية 179.
ولقد جــاء علاج الغفلة في الآية التي تليها حيث قال تعالى : ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) الأعراف الآية 180 ، فتعرَّف على ربك عز وجلَّ من خلال معرفة أسمائه وصفاته، لكي تتحطم الأقفال التي على قلبك وتُخرِّج الدنيا التي طبعت عليه منه.

ثالثا: الخوف من عدم القبول 

    ان الخوف من عدم القبـــول هو طريقك إلى قبــول عملك من الله سبحانه وتعالى، عن عائشة رضي الله عنها قالت:   'سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية  (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) المؤمنون الآية 60، قالت عائشة : هم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟، قال  : " لا يا بنت الصديق ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون أن لا يقبل منهم أولئك الذين يسارعون في الخيرات'رواه الترمذي وصححه الألباني، فعليك أن تكون دائم الخوف من عدم القبول وتُكثِّر من الدعــــاء أن يتقبَّل الله منك عملك.

رابعا: الثبات على الطاعات 

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن لكل عمل شرة ولكل شرة فترة فمن كان فترته إلى سنتي فقد اهتدى ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلك"، لذا تجد نفسك غير قادر على المواظبة على الطاعات التي كنت تقوم بها في رمضان.

خامسا :مواجهة الفتور

   ولمواجهة الفتور الذي يحدث بعد رمضان اقترح عليكم ما يلي :

1- القرآن الكريم

  عليك أن تداوي قلبك بالإستماع إلى القرآن الكريم والمواعظ، قال تعالى : (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا، وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا، وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) النساء الآيات 66و67و68. فتكون سببًا في إزالة الغفلة والطبع الذي على القلب.

2- العلم والتوحيد 

  يقول الله عز وجلَّ  : (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ) محمد الآية 19. وعليك أن تُكثر من الثناء عليه ومدحه سبحانه، فإن الله تعالى يقول : (إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) آل عمران الآية 51، فالاستقامة تأتي من معرفتك بالله جلَّ وعلا.

3- الإخلاص 

  عليك بالاخلاص وتطهير القلب من أي شيء سوى الله جلَّ وعلا، يعني كل عمل تقوم به احتسبه لوجه الله فقط.

4- تجديد التوبة والإنابة 

   فالتوبة هي أول منازل العبودية وأوسطها وآخرها، وبعد أي عمل لابد أن تتوب من تقصيرك فيه، كما ان الذنوب هي سبب الوقوع وعدم الثبــات على الطاعة، وبتجديد التوبة يوفقك الله عز وجلَّ للهداية بعد رمضــان، كما في قوله تعالى : ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) طه الآية 82.

5- الشكر

   يقول تعالى : ( وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)  آل عمران الآية 144. فالشكر سيحميك من الانتكاس، فعليك بإدمـــان الحمد. عن مصعب بن سعد عن أبيه رضي الله عنه أن أعرابيًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم :  علمني دعاء لعل الله أن ينفعني به، قال : "قل اللهم لك الحمد كله وإليك يرجع الأمر كله" رواه البيهقي وحسنه الألباني.

6- حسن خلقك

   حسِّن خُلقك وتحلى بالحلُم في معاملة الناس حتى وإن أساؤوا إليك. فقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الاستقامة وحُسن الخلق حينما أوصى معاذ بن جبل رضي الله عنه، فقال : "استقم وليحسن خلقك" رواه ابن حبان وحسنه الألباني، وقال أيضا : "إن المسلم المسدد -أي: المُستقيـــم- ليدرك درجة الصوام القوام بآيات الله بحسن خلقه وكرم ضريبته" صحيح الجامع.

7- إستقامة اللسان

 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه" رواه أحمد وحسنه الألباني.

8- الاسقامة على الاعمال الصالحة

   عليك بالاستقامة على أعمال صالحة دائمة، وكلما زادت أورادك الثابتة التي تستديم عليها، ارتقت منزلتك عند الله جلَّ وعلا، وإذا أردت الإستقامة لُذ بالحي القيوم كي يُقمك على دربه.

   ان رمضان يُنادينا بلسان الحال : 'أرجوكم لا تتركوني، بعد أن تذوقتم معي لذة الصيام والقيام وتلاوة القرآن والقُرب من الرحمن'. فإياكم ان تتركوه، واحذروا -اخي واختي- أن يضلكم الشيطان عن الطريق بعد الثبات عليها وتذوق حلاوة الايمان.

google-playkhamsatmostaqltradent