📁مقالات منشورة :

ثلاث درجات

ثلاث درجات


      إن فضل الله وكرمه على خلقه عظيم، فهو ذو الفضل وصاحب الفضل وإليه الفضل، وقد تفضل على عباده بأن شرع لهم أعمالاً ترفع بها درجاتهم، وتكفر بها من سيئاتهم، ومن هذه الأعمال التي ترفع بها الدرجات ما جاء في الحديث  الصحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث مهلكات، وثلاث منجيات، وثلاث كفارات، وثلاث درجات، فأما المهلكات : فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه، وأما المنجيات : فالعدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وخشية الله تعالى في السر والعلانية، وأما الكفارات : فانتظار الصلاة بعد الصلاة، وإسباغ الوضوء في السَبَرات، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وأما الدرجات : فإطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام"، رواه الطبراني.
وقد تناولنا في مواضيع سابقة كلا من :

👈ثلاث مهلكات والتي نشر موضوعها في الرابط التالي هنا 

👈ثلاث منجيات والتي نشر موضوعها في الرابط التالي هنا 

👈ثلاث كفارات والتي نشر موضوعها في الرابط التالي هنا

 الجزء الرابع : ثلاث درجات

   وأما في موضوعنا هذا فسنتناول إن شاء الله ثلاث درجات والتي نختم بها هذا الحديث الجامع.

 1) إطعام الطعام

    فقد ورد في فضلها حديث أبي مالك الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ في الجنة غرفًا يُرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن أطعم الطعام، وأفشى السلام، وصلى بالليل، والناس نيام"رواه ابن حبان، وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اعبدوا الرحمن، واطعموا الطعام، وافشوا السلام؛ تدخلوا الجنة بسلام"رواه الترميذي. 

  إن إطعام الطعام عمل من أجلّ القربات، وأعظم الحسنات؛ ففي الحديث المتفق عليه عن عبد الله بن عمر أن رجلاً سأل رسول الله: أي الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف".

 ومهما قل ما يقدمه الإنسان لغيره من الطعام فإنه مع النية الخالصة يعظم عند الله تعالى؛ فعن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ الله ليربي لأحدكم التمرة واللقمة كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله -صغار الخيل والإبل- حتى تكون مثل أحد"رواه الطبراني وابن حبان.

 2) إفشاء السلام

     فالسلام اسم من أسماء الله الحسنى، وإفشاء السلام وبذله من أعظم خصال الإسلام والإيمان؛ ففي البخاري عن عبد الله بن عمرو أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف".

  وإفشاء السلام سبب من أسباب المحبة والألفة؛ أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لا أدلكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم".

  وبإفشاء السلام والمصافحة تحط الذنوب والخطايا؛ فعن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن المؤمن إذا لقي المؤمن فسلم عليه وأخذ بيده فصافحه تناثرت خطاياهما كما يتناثر ورق الشجر" رواه الطبراني.

  ومن أبخل البخل البخل بالسلام؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أعجز الناس من عجز في الدعاء، وأبخل الناس من بخل بالسلام"رواه الطبراني، ولذلك جاءت النصوص بتحريم الهجران بين المؤمنين، والحث على التصافي والتوادّ؛ فعن أبي أيوب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيصدُّ هذا ويصدُّ هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام"رواه الشيخين.

 3) الثالثة قيام الليل

     فقد جاء في الحديث الذي أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: "… أفضل الصلاةِ بَعْد الفريضةِ صلاةُ الليل".

  وقد أثنى الله على أهل قيام الليل في خمسة عشر موضعًا من القرآن، منها قوله تعالى: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا) سورة السجدة الآية 16، وقال سبحانه في وصف عباد الرحمن: (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا) سورة الفرقان الآية 64 .

  وما أجمل ساعات الليل ودقائقه حين يقف بين يدي الله؛ فقد أخرج مسلم عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن في الليل لساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله خيرًا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلة". قال ثابت البناني رحمه الله : ‘ما شيء أجده في قلبي ألذّ عندي من قيام الليل’. وقال أبو سليمان الداراني رحمه الله : ‘لأهل الطاعة بليلهم ألذ من أهل اللهو بلهوهم، ولولا الليل ما أحببت البقاء في الدنيا’.

  ومن أعظم ما ورد في شأن أهل قيام الليل قول النبي صلى لله عليه وسلم : "ثلاثة يحبهم الله ويضحك إليهم ويستبشر بهم"، وذكر منهم: "والذي له امرأة حسناء وفراش لين حسن، فيقوم الليل فيقول الله: يذر شهوته ويذكرني، ولو شاء رقد، والذي إذا كان في سفر وكان معه ركب فسهروا ثم هجعوا فقام من السحر في ضراء وسراء" رواه الطبراني.

  وجاء في الأثر: عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربةٌ إلى ربكم، ومكفرةٌ للسيئات، ومنهاةٌ عن الإثم" رواه الترميذي.

  ليكن لنا شيء من الليل ولو يسيرًا؛ فعن ابن عباس قال: ذكرت قيام الليل فقال بعضهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "نصفه ربعه فواق حلب ناقة" أي قدر ما بين رفع اليد عن الضرع وضمها وقت الحلب.

  قالت عائشة رضي الله : ‘أتاني في ليلتي حتى مسّ جلده جلدي ثم قال: "ذريني أتعبد لربي عز وجل"، قالت: فقلت: والله، إني لأحب قربك وأحب أن تعبد ربك، فقام إلى القربة فتوضأ ولم يكثر صبَّ الماء، ثم قام يصلي فبكى حتى بلَّ لحيته، ثم سجد فبكى حتى بلَّ الأرض، ثم اضطجع على جنبه فبكى، حتى إذا أتاه بلال يؤذنه بصلاة الصبح قالت: فقال: يا رسول، ما يبكيك وقد غفر الله لك ذنبك ما تقدم وما تأخر؟! فقال: "ويحك يا بلال، وما يمنعني أن أبكي وقد أنزل علي في هذه الليلة: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ)" سورة آل عمران الآية 190، ثم قال: "ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها"’ رواه ابن حبان.

  وقد سار على نهجه في ذلك أصحابه رضي الله عنهم، ‘فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان في وجهه خطان أسودان مثل الشراك من البكاء، ولما قرأ رضي الله عنه (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ...وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ) سورة التكوير 10، خر مغشيا عليه. ومر يوماً بدار إنسان وهو يصلي ويقرأ سورة والطور فوقف يستمع فلما بلغ قوله تعالى: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَا لَهُ مِن دَافِعٍ) سورة الطور الآيتين 7و8، نزل عن حماره، واستند إلى حائط، ومكث زمانا ورجع إلى منزله، فمرض شهرا يعوده الناس، ولا يدرون ما مرضه‘.

  وقد روي أن قوله تعالى: ‘(أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ) سورة الزمر الآية 9، نزلت في عثمان بن عفان رضي الله عنه، قال ابن عمر: ‘ذلك لكثرة صلاة أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه بالليل وقراءته حتى إنه ربما قرأ القرآن في ركعة‘. وكان أبو هريرة وامرأته وخادمه يقتسمون الليل ثلاثًا، كما يقول أبو عثمان النهدي: ‘تضيفت أبا هريرة سبعا، فكان هو وامرأته وخادمه يتعقبون الليل أثلاثا؛ يصلي هذا ثم يوقظ هذا، ويصلي هذا ثم يوقظ هذا‘.

  بل كان الأشعريون قوم أبي موسى يعرفون بالليل بالقرآن، يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: "إني لأعرف أصوات رُفْقَةِ الأشعريين بالقرآن حين يخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن بالليل".

  هذه حال بيوت اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف هي احوال بيوتنا نحن معشر المسلمين في هذا الزمان؟ الذي كثرت فيه الملهيات وانتشرت فيه الردائل التي يزينها الشيطان للمنحرفين عن طريق الله.

  فنسأل الله عز وجل أن يمن علينا ويردنا الى طريقه السوي وأن يغيثنا ويكفر عنا سيئاتنا وأن يلطف بنا فيما جرت به المقادير وأن يدفع عنا البلاء والشقاء والغلاء...


الروابط السابقة : المهلكات    المنجيات  الكفارات 

aboussalih
aboussalih
ينشر في هذا الموقع كل ما له علاقة بالاسلام والمجتمع
تعليقات