إن من رحمة الله تعالى بنا أن أرسل إلينا رسولاً يتلو علينا كتابه ويوضح لنا أحكامه، ويرشدنا إلى الخير والنجاة ويبعدنا عن الشر والهلاك، وإن من المنجيات التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في قوله في الحديث الطويل الذي ذكر فيه المهلكات والمنجيات... قال: "…وأما المنجيات: فالعدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وخشية الله تعالى في السر والعلانية..."
الجزء الثاني : ثلاث منجيات
وهذه الثلاث المنجيات هي التي سألها النبي صلى الله عليه وسلم من ربه كما في دعائه: "اللهم إني أسألك خشيتك في السر والعلانية، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، وأسألك القصد في الفقر والغنى" رواه النسائي وأحمد والحاكم.
1) العدل في الغضب والرضا
فإذا عدل العبد فيهما –أي في حال الرضا والغضب- صار القلب ميزانا للحق، لا يستفزه الغضب، ولا يميل به الرضا، فكلامه للحق لا للنفس، إن أكثر الناس إذا غضب لم يبال بما يقول، ولا بما يفعل، فمن تخلق بخلق العدل في حال غضبه ورضاه دلّ ذلك على شدة إيمانه، وأنه يملك نفسه، فهو الشديد حقًا؛ كما جاء في الحديث المتفق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب"، ولذلك حرص السلف الصالح على العدل في الرضا والغضب؛ قال عطاء بن أبي رباح رحمه الله : ‘ما أبكى العلماء بكاء آخر العمر من غضبة يغضبها أحدهم فيهدم عمر خمسين سنة أو ستين سنة أو سبعين سنة، ورب غضبة قد أقحمت صاحبها مقحما ما استقاله‘ جامع العلوم والحكم.
لقد أمر الله تعالى بالعدل والقسط في مواضع كثيرة من كتابه، فقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى) سورة النحل الآية 90، وقال أيضا: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) سورة الأنعام الآية 152.
إن العدل هو الغاية التي من أجلها أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) سورة الحديد الآية 25.
ولعظم شأن العدل والقسط فإن من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: "إمام عادل،…"، بل أهل العدل والقسط على منابر من نور على يمين الرحمن؛ كما جاء في الحديث الذي أخرجه مسلم: عن عبد الله بن عمرو قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم : "إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عزَّ وجلَّ، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وُلُّوا".
2) القصد في الفقر والغنى
بحيث لا يضطر الغني غناه وماله حتى ينفقه في غير حق، ولا يمنع الفقير فقره وحاجته حتى يمنع بسبب فقره حقاً.
فالقصد في الفقر والغنى حال أفضل مخلوق على وجه الأرض محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم فقد دعا ربه أن يجعل رزقه قوتاً كفافاً؛ كما في الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً" رواه مسلم، فكان مقتصدًا متوسطاً متأدباً بما أدبه ربه في القرآن : (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا) سورة الإسراء الآية 29.
وقد أنشد بعض الشعراء فقال:
أخص الناس بالإيمان عبد *.* خفيف الحال مسكنه القفار
له في الليل حظ من صلاة *.* ومن صوم إذا طلع النهار
وقوت النفس يأتيه كفافاً *.* وكان له على ذاك اصطبار
وفيه عفة وبه خمول *.* إليه بالأصابع لا يشار
فذلك قد نجا من كل شر *.* ولم تمسسه يوم البعث نار
ومن كان مقتصداً في معيشته وفي مأكله وملبسه وفي كل شأن من شؤون حياته فقد أفلح؛ كما أخبر بذلك الصادق المصدوق في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قد أفلح من أسلم، ورزق كفافاً، وقنعه الله بما آتاه" رواه مسلم.
3) خشية الله في السر والعلانية
قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم السر على العلانية لأن تقوى الله في السر أعلى درجة من العلن، لما يخاف من شوب رؤية الناس، وهذه درجة المراقبة وخشيته فيهما تمنع من ارتكاب كل منهي، وتحثه على فعل كل مأمور، فإن حصل للعبد غفلة عن ملاحظة خوفه وتقواه فارتكب مخالفة مولاه لجأ إلى التوبة ثم داوم الخشية.
فمن خاف الله في السر فقد خافه في العلانية، وقد امتدح الله من كان هذا حاله فقال: (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنْ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ) سورة الأنبياء الآية 49، وخشية الله في السر والعلانية هي الوصية التي أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم معاذا: "اتق الله حيثما كنت" أي في السر والعلانية، حيث يراك الناس وحيث لا يرونك، في الليل والنهار، في الغيب والشهادة، في كل وقت وعلى كل حال.
إن من يراقب الله ويخشاه سراً وعلانية، ويجعل بينه وبين ما حرم الله حاجزاً يكرمه الله بالاستظلال في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فقد جاء في المتفق عليه في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: "…رجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله رب العالمين"، لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد الناس خشية لله، فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إني لأنقلب إلى أهلي فأجد الثمرة ساقطة على فراشي، فأرفعها لآكلها، ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها"، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : ‘إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرَّ على أنفه فقال به هكذا‘ صحيح البخاري. وإن مما يعين على خشية الله ومراقبته في السر والعلانية، وترك معاصيه أن يعلم العبد أن الله يراه، ومطلع عليه، قال ابن رجب رحمه الله مبيناً لذلك: ’فإن من علم أن الله يراه حيث كان، وأنه مطلع على باطنه وظاهره، وسره وعلانيته، واستحضر ذلك في خلواته؛ أوجب له ذلك ترك المعاصي في السر’، وقد كان بعض السلف يقول لأصحابه: ‘زهدنا الله وإياكم في الحرام زهد من قدر عليه في الخلوة، فعلم أن الله يراه فتركه من خشيته’، وقال الشافعي: ‘أعز الأشياء ثلاثة: الجود من قلة، والورع في خلوة، وكلمة الحق عند من يرجى أو يخاف’. وقال رجل لوهب بن الورد: عظني؟ فقال له: ‘اتق الله أن يكون أهون الناظرين إليك’، ودخل بعضهم غيضة ذات شجر فقال: لو خلوت هاهنا بمعصية من كان يراني؟ فسمع هاتفا بصوت ملأ الغيضة: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) سورة الملك الآية 14، وراود بعضهم أعرابية، وقال لها: ما يرانا إلا الكواكب، قالت: أين مكوكبها؟.
وقد أنشد ابن السماك:
يا مدمن الذنب أما تستحي *.* والله في الخلوة ثانيكا
غرك من ربك إمهاله *.* وستره طول مساويك
اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الرضا والغضب، ونسألك القصد في الفقر والغنى، ونسألك نعيما لا ينفد، ونسألك قرة عين لا تنقطع، ونسألك الرضا بعد القضاء، ونسألك برد العيش بعد الموت، ونسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين.
الرابط السابق : المهلكات
