سنتحدث في موضوعنا هذا عن شيء
هو سبب عظيم لمحبة الله
سبحانه للعبد ولو أحب الله عبدًا لانتهت جميع مشاكله في الدنيا والآخرة
ولصارت حياته في منتهى السعادة ولحلَّت البركة عليه ولوقاه الله شر الفتن ونجاه
منها، إنها من أعظم مقامات الإيمان ومن أعظم القُربات إلى الرحمن إنها التقوى.
والتقوى من الوقاية أي ما تحمي
به نفسك من عذاب الله وسخطه وقال العلماء في التقوى إنها أن تدع ما لا
بأس به خشية أن تقع فيما فيه بأس.
وأفضل تعريف للتقوى إنها أن تعمل بطاعة
الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نورٍ من الله
تخاف عقاب الله.
أولا) فضائل التقوى :
ورد في فضائل
التقوى آيات كثيرة منها أنها :
1- موجبة محبة الله للعبد
قال تعالى : (بَلَى مَنْ أَوْفَى
بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) آل عمران
الآية 76، وسببًا للوصول إلى منزلة الولاية يقول الله عز وجلَّ : (أَلَا
إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ،
الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) يونس الآيات 63,62...، ويقول
تعالى : (...وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ) الجاثية الآية 19، فأبشِّر بكل
خير إن صرت من أولياء الله المُتقينفهؤلاء (لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ
الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) يونس الآية 64. وحينها ستعيش حياتك بمنتهى
السعادة في راحة وطمأنينة وسكينة.
2- صفوة خلق الله في الأرض هم المتقون
المرء بطبيعته يحب التميز ونيل المنازل العالية
وقد قال تعالى : (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ
اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) الحجرات الآية 13، فالأزيد في التقوى هو
الأعلى في المنزلة عند الله تعالى وكلما زاد رصيدك في التقوى علَّت درجتك في
الجنة واقتربت أكثر من رفقة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الفردوس الأعلى لأنه
أكثر الناس تقوى كما قال : "أنا أتقاكم لله وأعلمكم بحدود الله".
3- مصدر للرزق الحلال الطيب المُبارك
يقول الله جلَّ وعلا : (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ
يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) الطلاق. فإلى
كل من يشكو من تأخُر الرزق عنه إلى الآن عليك بتقوى الله عز وجلَّ حتى يرزقك من
حيث لا تحتسب.
4- سبب نزول البركات من السماوات
الجميع يعاني من قلة البركة في كل
شيء هذه الأيام والله عز وجلَّ يقول : (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا
لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) الأعراف الآية
96، ولكن مُحقِّت البركة بقلة التقوى وانتشار المعصية ولو استقام
الإنسان واتقى الله عز وجلَّ لأغدق عليه من النعيم، قال تعالى :
(وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً
غَدَقًا) الجن الآية 16.
5- سبب مُضاعفة الحسنات وتكفير السيئات
يقول تعالى : (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ
يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا) الطلاق الآية 5،
فليس المهم هو صورة العمل فقط مهما كان عظيمًا وإنما عليك أن تجوِّد أعمالك
بالتقوى كي يُضاعف الله لك أجرك ويُكفِّر عنك ذنبك.
6- سببًا لكي يشملك الله بستره الجميل
فكلنا أصحاب ذنوب ومعاصي والتقوى
هي خير ساتر وزينة لباطنك السيء، يقول تعالى : (يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ
أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ
التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ
يَذَّكَّرُونَ) الأعراف الآية 26.
7- من أعظم أسباب تيسير الأمور
يقول الله عز وجلَّ : (ومَنْ
يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا) الطلاق الآية 4.
8- سببًا لأن يرزقك الله البصيرة
اذا رزقك الله البصيرة والقدرة على التفريق بين الحق
والباطل في هذا الزمن الذي كثُرت فيه الأباطيل وصار المرء مُشتتًا ولا يملك القدرة
على التفريق بين الحق والباطل عليك بالتقوى، بقول الله تعالى : (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ
فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ
ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) الأنفال الآية 29. لهذا فان الله سيُريك
الحق حقًا ويرزقك إتباعه.
9- السبيل إلى العلم النافع
يقول تعالى : (وَاتَّقُوا
اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) البقرة الآية
282. فيمُنَّ الله عز وجلَّ عليك بنعمة الفهم فيصل إلى قلبك العلم
النافع الذي تُرزق به الخشية من الله عز وجلَّ، كما في قوله تعالى : (إِنَّمَا
يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) فاطر الآية 28.
10- سببًا للنصر
الله عز وجل سينصرك ويحفظك ويجعلك في معيته قال
تعالى : (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ
الْمُتَّقِينَ) البقرة الآية 194. فإن كنت في معية الله عز وجلَّ، سينصرك
ويؤيدك ويُسددك ويحفظك من شياطين الإنس والجن.
11- حفظ ألابناء بالتقوى
قال تعالى : (وَلْيَخْشَ
الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ
فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا) النساء الآية 9، فإن
كنت تخشى على أولادك وتقلق على مستقبلهم فالسبيل إلى حفظهم هو التقوى لأن
الله عز وجلَّ هو الذي خلقهم ويحفظهم.
12- الأمان من كيد الأعداء
يقول تعالى : (وَإِنْ
تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا
يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) آل عمران الآية 120، فبالتقوى يحفظك الله عز وجلَّ من
تكالب الأعداء عليك، سواء كانوا من شياطين الإنس أو الجن أو نفسك التي بين
جنبيك.
13- سبب للنجاة من عذاب الدنيا
فعند حلول العذاب بالظالمين
يُنجي الله المُتقين، قال تعالى : (وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ
آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) فصلت الآية 18، والنجاة من عذاب النار
في الآخرة يقول الله عز وجلَّ : (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ
عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا، ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا
وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا) مريم الآيتين 71و72.
14- العز والرفعة يوم القيـامة بالتقوى
يقول تعالى : (زُيِّنَ لِلَّذِينَ
كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ
اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ
بِغَيْرِ حِسَابٍ) البقرة الآية 212.
15- الجنة لأهل التقوى
قال تعالى : (وَسَارِعُوا إِلَى
مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ
لِلْمُتَّقِينَ) آل عمران الآية 133، وهؤلاء المُتقين لن يدخلوا الجنة
سائرين، وإنما يدخلونها ركبانًا في وفدٍ مُكرمين كما قال تعالى : (يَوْمَ
نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا) مريم الآية 85.
ثانيا) سبل التقوى :
بعد كل هذا الفضل العظيم ألا تريد يا عبد الله أن تكون
من المُتقين؟
ولكي تكون من عباد الله المُتقين عليك بالتالي :
ولكي تكون من عباد الله المُتقين عليك بالتالي :
1- ترك المباحات
اترك بعض المباحات خوفًا من الوقوع في
المكروهات أو المحرمات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا
يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به بأس" رواه
الترمذي وحسنه الألباني. وقال الإمام أحمد رحمه الله : 'التقوى هي ترك
ما تهوى لما تخشى'، فعليك أن تُجاهد نفسك في ترك بعض ما تهواه من المباحات،
حتى تنال منزلة التقوى.
2- المراقبة وتحسُس الله بقلبك
فقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم معاذ
بن جبل رضي الله عنه بذلك، فقال : "اتق الله حيثما كنت" رواه الترمذي
وحسنه الألباني. فاجعل هذا شعارك وردده على لسانك لكي تستشعره بقلبك، اتقِ
الله حيثما كنت وكلما دعتك نفسك للمعصية تذكر أن الله تعالى بصير
جليل ينظر إليك ويطلِّع إلى فعلك فتُعظِّم الله عز وجلَّ في قلبك،
وتستحي من معصيته في السر والعلن.
3- كثرة الدعاء
فعليك بلزوم دعاء النبي صلى الله
عليه وسلم "اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها" رواه مسلم، ومن
دعاءه أيضًا "اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى" رواه
مسلم.
4- العفو والصفح
لكي تنال منزلة التقوى فعيك بالعفو والصفح، فقد
قال تعالى : (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) البقرة الآية 237.
5- الصدق
عليك بتحرِّي الصدق في الأقوال والأعمال، قال
تعالى : (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ
هُمُ الْمُتَّقُونَ) الزمر الآية 33. فاصدق الله تعالى يصدقُك
ويجعلك من المُتقين.
6- تعظيم شعائر الله
يقول الله جلَّ وعلا : (ذَلِكَ
وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)
الحج الآية 32. فبادِر بالصلاة في أول وقتها وعظِّم سائر شعائر الله
عزَّ وجلَّ.
7- الرفقة الصالحة
عليك بمرافقة الصالحين والابتعاد عن أصدقاء السوء لكي تنال منزلة التقوى قال
تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا
مَعَ الصَّادِقِينَ) التوبة الآية 119.
نسأل الله عز وجل أن يبلِّغنا
منزلة التقوى وأن يجعلنا من المُتقين الأبرار.
