الشريعة الإسلامية جاءت لتصحيح
الأخلاق وتهذيب النفوس؛ وحين يقال: حسن الخلق، فهو شامل جميع صور التعامل مع
الناس، كرمًا وسخاءً، عفوًا وتسامحًا، برًّا وصلة، شفاعة وهدية، إصلاحًا ونفقة،
والله تعالى عفو كريم يحب المحسنين، وما منكم من أحد إلا وهو متصف بأكثر هذه
الصفات أو كلها. والسخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس، والبخيل بعيد
من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس.
1)تعريف الكرم
الكرم اسم واقع على كل نوع من
أنواع الفضل، ولفظ جامع لمعاني السماحة والبذل، والكرم صفة أصيلة في النفس
الإنسانية، ومعناه الإعطاء، والإنفاق عن طيب النفس، وهو ضد اللؤم والنذالة، والبخل
والشح، اذا فالكرم هو بذل المال أو الطعام أو أي نفع مشروع عن طيب
نفس، وهو من اشرف الخصال والسجايا، وأعزّ المواهب وأخلد المآثر. وناهيك في فضله
أنّ كل نفيس جليل يوصف بالكرم ويُعزى إليه.
2)محاسن الكرم
لا يرى المجتمعُ السعادةَ، ولا يتذوق
حلاوة الطمأنينة والسلام، ومفاهيم الراحة والرخاء، إلاّ باستشعار
أفراده روح التعاطف والتراحم، وتبادل المشاعر والأحاسيس، في
السرّاء والضرّاء، وبذلك يصير المجتمعُ كالبنيان المرصوص، يشدّ بعضه
بعضاً، ومن مصاديق هذا التعاطف والذي هو أسماها واخلدها، عطف المؤسرين وجودهم على
البؤساء والمعوزين، بما يخفّف عنهم آلام الفاقة ولوعة الحرمان، وبتحقّق هذا المبدأ
الإنساني النبيل، مبدأ التعاطف والتراحم، يستشعر المعوزون إزاء ذوي العطف عليهم
والمحسنين إليهم، مشاعرَ الصفاء والوئام والودّ، مما يسعد المجتمع ويشيع فيه
التجاوب والتلاحم والرخاء، وبإغفاله يشقى المجتمع، وتسوده نوازع الحسد والحقد
والبغضاء والكبد، فينفجر عن ثورة عارمة ماحقة، تزهق فيها النفوس، وتمحق فيها
الأموال، وتهدّد الكرامات.
ومن ذلك دعت الشريعة الإسلامية إلى
السخاء والبذل والعطف على البؤساء والمحرومين، واستنكرت على المجتمع أن يراهم
يتضورون سَغَباً وحرماناً، دون أن يتحسس بمشاعرهم، وينبرى لنجدتهم وإغاثتهم،
واعتبرت المؤسرين القادرين والمتقاعسين عن إسعافهم أبعد الناس عن الإسلام، وقد
قال الرسولُ الأعظم صلّى الله عليه وسلم: "مَنْ أصبح لا يهتم بأمور
المسلمين فليس بمسلم". وإنما حرّض الإسلامُ أتباعه على السخاء ليكونوا مثلاً
عالياً في تعاطفهم، ولينعموا بحياة كريمة وتعايش سلمي، ولأن الكرم صمّام
أمن المجتمع، وضمان صفائه وازدهاره.
3)مجالات الكرم
تختلف
فضيلة الكرم باختلاف مواطنه ومجالاته، فأسمى فضائل الكرم أشرف
بواعثه ومجالاته، ما كان استجابة للأوامر الإلهية، هذا هو
مقياس الكرم والسخاء في عرف الشريعة الإسلامية، كما قال الرسول
صلّى الله عليه: "منْ أدّى ما افترض الله عليه، فهو اسخى الناس".
وافضلُ مصاديق الكرم والسخاء بعد ذلك عيال الرجل وأهل بيته، فإنهم
فضلاً عن وجوب الإنفاق عليهم وضرورته شرعاً وعرفاً، أولى بالمعروف والإحسان، وأحقّ
بالرعاية واللطف.
وقد يشذّ البعض، فيغدقون نوالهم وسخائهم على الأباعد والغرباء، طلباً
للسمعة والمباهاة، ويشحّون على أهلهم وعوائلهم، وذلك من لؤم النفس وغباء الوعي.
والأرحام بعد هذا وذاك أحقّ الناس بالبرّ، وأحراهم بالصلة والنوال، لأواصرهم
الرحمية، وتساندهم في الشدائد والأزمات، ومن الخطأ الفاضح حرمانهم من تلك العواطف
وإسباغها على الأباعد والغرباء. وهكذا يجدر بالكريم تقديم الأقرب الأفضل من مستحقي
الصلة والعطاء، كالأصدقاء والجيران، وذوي الفضل والصلاح، فإنهم اولى من غيرهم
بذلك.
4)بواعث الكرم
وتختلف
بواعثُ الكرم باختلاف الكرماء ودواعي أريحيتهم، فأسمى البواعث غاية
وأحمدها عاقبة، ما كان في سبيل الله تعالى وابتغاء مرضاته وكسب ثوابه.
- وقد
يكون الباعث رغبة في الثناء وكسب المحامد والأمجاد، وهنا
يغدو الكريم تاجراً مساوماً بأريحيته وسخائه.
- يكون
الباعث رغبة في نفع مأمول، أو رهبة من ضرر مخوف، يحفزان على التكرم
والاحسان.
- وقد
يكون الباعث الحُبّ، لأن الحُبّ يلعب دوراً كبيراً في بعث المُحبّ وتشجيعه على
السخاء، استمالة لمحبوبة واستدراراً لعطفه. والجدير بالذكر أن الكرم لا
يُجمِل وقعه ولا تحلو ثماره، إلاّ إذا تنزّه عن المَنّ، وصفى من شوائب التسويف
والمطل، وخلا من مظاهر التضخم والتنويه.
5)الكرم أصل المحاسن كلها
- قال أبوبكر
الصديق رضي الله عنه: "صنائع المعروف تقي مصارع السوء"، وقال أيضا:
"الجود حارس الأعراض".
- وقال
علي كرّم الله وجهه: 'الكرم أعطف من الرحم'.
- ويحكى أن اعرابيا نزل بقوم فقال لهم: أرى وجوها وضيئة وأخلاقا
رضيّة، فإن تكن الأسماء على نحو ذلك فقد سعدت بكم أمكم، فقال أولهم: أنا عطية،
وقال الثاني، أنا كرامة، وقال الآخر: أنا عبد الواسع، وقال الأخير: أنا أدعى
فضيلة، فأنشد الإعرابي يقول:
كرم وبذل واسع
وعطية*.*إلى أين أذهب أنتم أعين الكرم
من كان بين فضيلة وكرامة*.*لا ريب يفقأ أعين العدم
2
فكسوه وأحسنوا إليه وانصرف شاكرا غانما مسرورا بكرمهم وسعيدا.
6)انواع الكرم
ولا يشترط أن تجود بكل ما
تملك، وإنما بما تقدر من حسن الخلق واللين والميسور والتحية وإطعام الطعام الموجود
بلا تكلف، وهناك حديث عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: 'نهينا عن التكلف، أي لا
تتكلف المفقود ولا ترد الموجود'.
👈 ومن أقسام الجود: الجود
بالطعام؛ قال تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً
وَيَتِيماً وَأَسِيراً) الإنسان الآية 8، ولا ندري أي ضمير يحمله إنسان يبيت شبعان
وجاره جائع!
👈 وهناك
الجود بالمشاعر والعاطفة والكلمة الطيبة والابتسامة المشرقة، والبخل بهذه الأشياء
من أبشع صور البخل وأقساها وأسوئها أثرًا على العلاقات والنفوس؛ فهناك من البخلاء
حين يراك يظل وجهه متصلبًا لا يبش بنظرة ولا يلين بابتسامة، وكأنه يخاف على وجهه
أن يتهدم، أو على شفتيه أن تتثلم، وهناك من يعجبه صنيعك وتصرفك ولكنه يشح عليك
بكلمة شكر أو تقدير يسعدك بها، وفيهم من يحبك حبًّا حقيقيًّا ولكنه يبخل عليك أن
يقر لك بهذا الحب أو يعترف لك بهذه المشاعر.
وما أروع هدي النبوة! ما أرقّه وأرقاه
حين يربي النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على البوح بمشاعر الحب حينما أمر الرجل
الذي عبّر عن حبه لصاحبه في غيبته، أن يخبره بحبه له، وهذه من مكارم الأخلاق، ومن
صفات العظماء الكرماء النبلاء.
ولقد قالوا : إن من أعظم صفات الكريم
الجواد البسمة على محياه، والتهلل والبشر، ويوم تراه تجده متهللاً كما
قالوا :
تراه إذا ما جئته متهللاً *.* كأنك تعطيه الذي أنت سائله
أما العبوس فليس من علامة أهل
الإيمان والأجاود، وإنما هو من علامة أهل الكبر والإعراض والمعصية.
👈 ومن
صور البخل أن يتلقى المرء هدية طريفة ثم لا يجود بكلمة امتنان، أو تعبير عن إعجاب
وعرفان. هذه الأنماط من الناس أشحة حقيقيون؛ لأنهم يغلقون على مشاعرهم في
صناديق حديدية، وكأنهم يخافون عليها أن تنفد أو تتبخر. فهل رأيت أبخل من
هؤلاء؟
👈 ومن الجود: الجود بالجاه؛ فمن
أعطاه الله رفعة ومرتبة ومنزلة فجاد بجاهه وشفع لعباد الله عز وجل عند من يشفع
عنده من الناس، وسهل أموره، سهل الله أمره؛ كالشفاعة للفقراء والمساكين، والوقوف
مع الأرملة والضعيف واليتيم ونحو ذلك، والشفاعة للمحبوسين وغير ذلك.
👈 ومن
الكرم الجود بالعلم وهو من أفضلها وأحسنها، فيبذل علمه الذي جعله الله تعالى وديعة
عنده؛ فيعلم خطابة وتدريسًا وتأليفًا ونصحًا وأمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر.
👈 ومن
الجود: أن تجود بوقتك على المسلمين في عيادة المريض والوقوف مع ذي الحاجة.
👈 ومن
الكرم والسخاء: أن تقابل الإساءة بالإحسان: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) فضلت
الآية 34، وأن لا تنتظر لمعروفك مقابلاً من الآخرين؛ فالله يقيك مصارع السوء،
ويدفع عنك المحن، والناس شهداء الله في الأرض.
👈 ومن
الكرم والجود والسخاء: القناعة بما تيسر من أخلاق الناس؛ فلا تطلب فيهم الكمال،
واسلك سلم التغافل والإعراض: (خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ
وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ) الأعراف الآية 199، وهي أجمع آية في الأخلاق، قال
الله عز وجل : (عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ)
التحريم الآية 3.
الكريم الحقيقي يكون دائما
مسرورا ببذله، متبرعا بعطاياه لا يلتمس عرض دنياه كي لا يحبط عمله، ولا طالبا
لشهرة فيسقط شكره، ولا يكون مثله فيما يعطي كمثل صائد الطيور، يلقي لها بالحَب لا
ليشبعها، بل ليشبع هو بها.