📁مقالات منشورة :

الوفاء (الجزء الثاني : أنواع الوفاء وفوائده واهميته)

الوفاء (الجزء الثاني : أنواع الوفاء وفوائده واهميته)


الجزء الثاني : أنواع الوفاء وفوائده واهميته

 تتمة أنواع الوفاء :

 7) الوفاء مع الناس كافة

   ما أشد حاجة الناس إلى الوفاء، في زمن فشى فيه الجحود والنكران في قلوبِ كثيرٍ مِن البشَر، فلا الجميل عندَهم عاد يُذكَر، ولا المعروف لديهم صار يُحفَظ، أفٍّ مِن الدُّنيا حين يَئنُّ الوفاء في صدورِ الشرفاء! ويتوارَى الضعفاءُ الجهلاء خلف أحراش النُّكران والجفاء، يَنظرون من طرَف خفيٍّ لعلَّهم يَحظَوْن بجميلٍ جديدٍ يُقدم إليهم، دون أن يُفكِّروا في ردِّ الجميل، وكأنَّهم ما خُلِقوا إلاَّ ليأخذوا لا ليُعطوا، وما وُجِدوا إلا ليَستغلُّوا، لا ليَمنحوا، وما علموا أنَّ قيمةَ الحياةِ الحقيقيَّة تكمُن في البذل والعطاء من المال والعلم والوقت والجاه.

  8) الوفاء لماضي الامة وتراثها

 ويدخل في إطار الوفاء المطلوب من المسلم، الوفاء لماضي الأمة وتراثها، وتاريخها، فلا يجوز للمسلم أن يتنكر لماضيه، فالذي ليس له ماضٍ لا مستقبل له، والمقصود هنا ألا يفصل المرء بين يومه وأمسه، فالزمن حلقات متصلة ومن أجل ذلك لا يجوز أن تكون هناك قطيعة مع هذا الماضي لأنه يشتمل على الجذور، وفصل جذور الشجرة عن ساقها يميتها .

 إذاً الوفاء للماضي يعني الحفاظ على الهوية وتنمية الإيجابيات التي يشتمل عليها الماضي وتجنب السلبيات، إضافة إلى مراعاة متغيرات العصر، وهذا ما يطلق عليه البعض الجمع بين الأصالة والمعاصرة .

  9) الوفاء بالعهد

   الوفاء بالعهد من أهم المبادئ التي يقوم عليها بناء الشخصية الإسلامية، ونقض العهد يؤدي إلى الضياع والخسران، ومن وثق عهده بيمين أو باتخاذ الله كفيلا فهو عهد مع الله، ونقضه إنما هو نقض لعهد ربه، وقد شبه القرآن من ينقض العهد بالحمقاء التي تغزل غزلها ثم تنقضه أوصالا وأجزاء، وربما يكون من بواعث نقض العهد، أن يجد أمة أكثر وأوسع من أخرى، فلا يصح أن يكون هذا باعثا لنقض العهد، قال الله تعالى : (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها).

  ونقض العهد ليس من سمات المسلمين، إنه يقضي على بناء الشخصية ويعمل على اهتزاز الثقة وتمزيق العلاقات، بل إن نقض العهد من علامات النفاق، وفي الحديث الصحيح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا أؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذ خاصم فجر".

  ولأهمية الوفاء بالعهد في بناء المجتمع الإسلامي وضّح الإسلام مغبة ما يؤول إليه شأن من نقض العهد من العذاب الأليم، وفي مقابل ذلك بيّن أن عند الله مثوبة وفضلا لمن تحلى بالوفاء وتجمل بالصبر عليه مهما كلفه من مشقة وعناء، وأما الذين اشتروا بعهد الله ثمنا قليلا وآثروا العاجلة فإن ما عندهم ينفد فلا بقاء ولا استمرار معه ولا خير فيه، قال الله تعالى : (ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتنزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إن ما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون.

 10)  الوفاء بالكيل والميزان

   فالمسلم يفي بالوزن فلا ينقصه، لأن الله تعالى قال : (أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم).

 11)  الوفاء بالنذر

   وهو ما يلزم به العبد نفسه من طاعة الله من غير ما افترضه الله عليه، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلاَ يَعْصِهِ". فالمسلم مطالب بالوفاء بنذره وأداء ما عاهد الله عليه، ومن صفات أهل الجنة أنهم يوفون بالنذر، يقول الحق سبحانه وتعالى : (يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيراً).

 12)  الوفاء بالوعد

     فالمسلم مطالب بأن يفي بوعده ولا يخلفه، والرسول يحذر من نقض الوفاء بالوعد ويعتبره من أخلاق المنافقين فيقول : "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان".

 13)  الوفاء للأوطان

   وحثَّنا ديننا الحنيف على حبِّ الوطن ولا يكون ذلك إلا بالإخلاص له فقد كان الرَّسول صلى الله عليه وسلم خيرَ مثالٍ على ذلك حين أجبر على فراق وطنه مكة المكرمة، فقال : "ما أطيبك من بلد وأحبك إلي ولولا أن قومك أخرجوني منك ما سكنت غيرك"، ومن هنا نتعلم من رسولنا وقدوتنا حب الوطن والإخلاص له.

  إن حب الوطن مزروع فينا منذ الولادة؛ كيف لا ونحن نتنفس هواءه ونعيش على ترابه، فحب الوطن والانتماء لترابه ليس مجرد كلمات ننطق بها ونسمعها، إنه قيم عليا، فعندما نفي بوعودنا لأوطاننا فإِننا نحميها من خيانة الخائنين، فكم من خائن ظل بسببه الوطن مستعمراً، فهذا الوطن يستحق منا أن نذكره بكلام عن الوفاء في أشعارنا وقصائدنا ورواياتنا ومقالاتنا الأدبية.


نموذج في حسن الوفاء :  

  أتى شابَّان إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان في المجلس، وهما يقودان رجلاً من البادية فأوقفوه أمامه، قال عمر: ما هذا؟ قالا : يا أمير المؤمنين، هذا قتل أبانا، قال : أقتلت أباهم؟ قال : نعم قتلته، قال : كيف قتلتَه؟ قال : دخل بجمله في أرضي، فزجرته فلم ينزجر، فأرسلت عليه ‏حجرًا وقع على رأسه فمات، قال عمر : النفس بالنفس، لا بد أن تُقتل كما قتلت أباهما.

 قال الرجل : يا أمير المؤمنين، أسألك بالذي رفع السماء بلا عمد ‏أن تتركني ليلة؛ لأذهب إلى زوجتي وأطفالي في البادية، فأُخبِرُهم ‏بأنك ‏سوف تقتلني ثم أعود إليك، والله ليس لهم عائلٌ إلا الله ثم أنا، قال عمر : مَن يكفلك أن تذهب إلى البادية ثم تعود إليَّ؟ فسكت الناس جميعًا؛ لأنهم لا يعرفون اسمه ولا داره ‏ولا قبيلته، فكيف يكفلونه؟ فسكت الناس وعمر مُتأثر؛ لأنه ‏وقع في حيرة، هل يقدم فيقتل هذا الرجل وأطفاله يموتون جوعًا هناك؟ أو يتركه فيذهب بلا كفالة فيضيع دم المقتول؟ وسكت الناس ونكَّس عمر ‏رأسه والتفت إلى الشابَّين : أتعفوان عنه؟ قالا : لا، مَن قتل أبانا لا بد أن يُقتل يا أمير المؤمنين، قال عمر : مَن يكفل هذا أيها الناس؟ فقام أبو ذر الغفاريّ بشيبته، وقال : يا أمير المؤمنين، أنا أكفله، قال عمر : هو قَتْل، قال : ولو كان قاتلاً! قال : أتعرفه؟ قال : ما أعرفه، قال : كيف تكفله؟ قال : رأيت فيه سِمات المؤمنين فعلمت أنه لا يكذب، وسَيَفِي بعهده إن شاء الله، قال عمر : يا أبا ذر، أتظن أنه لو تأخَّر بعد ثلاث أني تاركك؟ قال : الله المستعان يا أمير المؤمنين.

  فذهب الرجل وأعطاه عمر ثلاث ليالٍ، يُهيِّئ فيها نفسه، ويُودع ‏أطفاله وأهله، وينظر في أمرهم بعده ثم يأتي ليُقْتَص منه؛ لأنه قتل، وبعد ثلاث ليالٍ لم ينسَ عمر الموعد، وفي العصر ‏نادى ‏في المدينة : الصلاة جامعة، فجاء الشابَّان، واجتمع الناس، وأتى أبو ‏ذر ‏وجلس أمام عمر، قال عمر : أين الرجل؟ قال : ما أدري يا أمير المؤمنين! وتلفَّت أبو ذر إلى الشمس، وكأنها تمرُّ سريعة على غير عادتها. وقبل الغروب بلحظات، إذا بالرجل يأتي، فكبَّر عمر وكبَّر المسلمون‏ معه، فقال عمر : أيها الرجل أما إنك لو بقيت في باديتك ما شعرنا بك ‏وما عرفنا مكانك. قال : يا أمير المؤمنين، والله ما عليَّ منك ولكن عليَّ من الذي يعلم السرَّ وأخفى، ها أنا يا أمير المؤمنين، تركت أطفالي كفراخ‏ الطير لا ماء ولا شجر في البادية، وجئتُ لأُقتل، وخشيت أن يُقال لقد ذهب الوفاء بالعهد من الناس، فسأل عمر بن الخطاب أبا ذر : لماذا ضمنته؟ فقال أبو ذر : خشيت أن يُقال : لقد ذهب الخير من الناس، فوقف عمر وقال للشابَّين : ماذا تَرَيَان؟ قالا وهما يبكيان : عفونا عنه يا أمير المؤمنين لصدقه ووفائه بالعهد، وقالا : نخشى أن يُقال : لقد ذهب العفو من الناس، قال عمر: الله أكبر، ودموعه تسيل على لحيته.

   قال الشاعر : 
      إن الوفاء على الكريم فريضة*.* واللؤم مقرون بذي الإخلاف 
     وترى الكريم لمن يعاشر منصفا*.* وترى اللئيم مجانب الإنصاف 

 ثالثا) فوائد الوفاء :


 فوائد هذه الخصلة العظيمة كثيرة جدا نذكر منها ما يلي :
 - محبة الله، مصداقا لقول الله عز وجل : (بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) آل عمران الآية 76.
  
- من أوفى بعهد الله من توحيده وإخلاص العبادة له، أوفى الله بعهده من توفيقه إلى الطّاعات وأسباب العبادات، وإثابتهم على ذلك، حيث قال تعالى : (وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) البقرة الآية 40. قال ابن جرير : وعهده إياهم أنهم إذا فعلوا ذلك أدخلهم الجنة.
  
- خيار الناس من عرف بالوفاء؛ عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن خيار عباد الله الموفون المطيبون".

 - مضاعفة الأجر والثواب، مصداقا لقوله تعالى : (وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) الفتح الآية 10.
   
-الفوز بالنعيم المقيم في الجنة. عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "اضمنوا لي ستا من أنفسكم أضمن لكم الجنة : اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم".

  رابعا) أهمية الوفاء :

 - يساهم في خلق الالتزام وتعزيز الثقة بين الناس.
 - هو أساس العلاقة بين الأصدقاء ويساعدهم في مواجهة مشاكل الحياة.
 - زيادة الثقة بالنفس.
 - يلتزم الفرد بوعوده وعهوده مع الآخرين.
 - الاعتراف بالجميل وتقدير كل ما يقدمه الآخرين لنا.
 - يغرس في قلوبنا حب الوطن والإخلاص له.

aboussalih
aboussalih
ينشر في هذا الموقع كل ما له علاقة بالاسلام والمجتمع
تعليقات