حديثنا اليوم بإذن الله تعالى سيكون عن خلق من أخلاق الإسلام الراقية، وصفة من صفات النفوس الأبيّة، خلق إذا انتشر بين الناس ملأ حياتهم صفاء ونقاء، وظللهم بروح المودة والإخاء والمحبة والألفة، إنه الوفاء وما أجمله من خلق، وما أرقها من خصلة، وما أسماها من صفة، الوفاء خلق جميل، وكنز ثمين.
والوفاء خلق إنساني نبيل، وهو أن تكون صادقاً بوعودك مع الآخرين، والوفاء أصل الصدق والإخلاص، وهو ضد الخيانة، وهو من الشيم النبيلة التي تحلى بها العرب في الجاهلية وأبقى عليها الإسلام لأثرها العظيم في مجتمعاتنا ولأنها أساس علاقات الناس مع بعضهم البعض.
أولا) معنى الوفاء :
الوفاء لغةً
الوفاءُ ضد الغَدْر يقال وَفَى بعهده وأَوْفَى إذا أتمه ولم ينقض حفظه.
الوفاء اصطلاحًا
الوفاء: حفظ للعهود والوعود، وأداء للأمانات، واعتراف بالجميل، وصيانة للمودة والمحبة.
ثانيا) أنواع الوفاء :
1) الوفاء لله
أعظم الأدب هو الأدب مع الله، وأعظم الوفاء ما كان مع الله، والوفاء مع الله يكون بطاعته، وعبادته، وتوحيده. ويكون الوفاء لله عز وجل بتوحيده وإخلاص العبادة له لا لغيره، فالله مطلع على قلوب عباده ويعلم نواياهم وإخلاصهم وسرائرهم، والله أولى من أن يفي بعهده من المؤمنين أنفسهم.
فمن أطاع ربه والتزم بشرعه، وامتثل أمره واجتنب نهيه ووقف عند حدوده، كان من أهل الوفاء مع الله سبحانه الذي أوجده من العدم، ورباه بالنعم، وكرّمه وفضله، وأمره أن يعبده وحده دون سواه مصداقا لقوله تعالى : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) الذاريات الآية 56. وقال أيضا : (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) الأحزاب الآية 23.
فأين الوفاء مع الله؟ ممن ينتهك الحرمات، ويواقع المنكرات؟
أين الوفاء مع الله؟ ممن فرط في طاعة الله، فضيع فرائضه واعتدى على حدوده؟
أين الوفاء مع الله؟ ممن انشغل بدنياه عن عبادة خالقه ومولاه؟
2) الوفاء لرسول الله
الرسول صلى الله عليه وسلم الذي بذل كل وسع وتحمل كل عناء من أجل أن يبلغ للعالمين رسالته. ما من خير إلا ودل الأمة عليه، وما من شر إلا وحذر الأمة منه، بين لنا الطريق، وأنار لنا السبيل، وتركنا على المحجة البيضاء الناصعة الواضحة لا يزيغ عنها إلا هالك.
فأين الوفاء منا لرسول الله؟ أين نحن من سنتة، وهديه وشريعته؟
فالوفاء مع الرسول صلى الله عليه وسلم يكون باتباع سنته والتخلق بأخلاقه والاقتداء به والدفاع عن دينه وعقيدته.
ولقد ضرب الصحابة الكرام أروع الأمثلة في حسن الوفاء لرسول الله، نذكر منها :
أ- وفاء الأنصار مع الرسول
قال عوف بن مالك رضي الله عنه : 'كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم تسعة أو ثمانية أو سبعة، فقال : "ألا تبايعون رسول الله؟"، فبسطنا أيدينا فقلت : 'قد بايعناك يا رسول الله، فعلى ما نبايعك؟' قال : "على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، والصلوات الخمس، وتطيعوا"، وأسر كلمة خفية، قال : "ولا تسألوا الناس شيئا"، قال عوف بن مالك : 'فقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم، فما يسأل أحدا أن يناوله إياه'' رواه مسلم.
ب- وفاء أبي بكر
عن جابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ : 'قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "لَوْ جَاءَ مَالُ البَحْرَيْنِ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا – ثَلاَثًا-"، فَلَمْ يَقْدَمْ - فَلَمْ يَجِئْ - حَتَّى تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ مُنَادِيًا فَنَادَى : مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِدَةٌ أَوْ دَيْنٌ، فَلْيَأْتِنَا. فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَدَنِي، فَحَثَى لِي ثَلاَثًا.'
وهكذا وفَى أبو بكر رضي الله عنه بوعد النبي صلى الله عليه وسلم حتى بعد وفاته، ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى الناس بالوفاء أدى أبو بكر مواعيده عنه.
ج- وفاء الفاروق
وكذلك فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع سراقة بن مالك رضي الله عنه، ففي حادثة الهجرة اتبع سراقة النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : "عد يا سراقة ولك سوارا كسرى"، وقبض النبي صلى الله عليه وسلم، وفي خلافة عمر بعد فتح المدائن جاء سوارا كسرى لعمر فنادى سراقة وألبسه إياهما وقال : هذا ما وعدك به رسول الله. إنه الوفاء لما وعد به الرسول صلى الله عليه وسلم.
د- وفاء حكيم بن حزام
عن عروة بن الزبير أن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال : 'سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال لي : "يا حكيم إن هذا المال خضر حلو، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى".
قال حكيم : قلت : يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرزأ -أي أسأل- أحدا بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر يدعو حكيما ليعطيه العطاء فيأبى أن يقبل منه شيئا، ثم إن عمر دعاه ليعطيه فأبى أن يقبله، فقال : يا معشر المسلمين إني أعرض عليه حقه الذي قسم الله له من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه فلم يرزأ حكيم أحدا من الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم حتى توفي رحمه الله' رواه البخاري.
3) الوفاء مع العلماء
ويتم ذلك باحترامهم وتوقيرهم، والتواضع لهم، والدعاء لهم، والاقتداء بهم، والتعلم على أيديهم، قال تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون). والوفاء لهم يكون بإحياء ذكراهم والاعتراف بفضلهم، وتعريف الأجيال الجديدة بجهدهم وتضحياتهم وعطائهم، وبذلك نقدم لهذه الأجيال نماذج مشرفة يقتدون بها ويحذون حذوها في البذل والعطاء الأمر الذي يعود بالخير على الوطن وكل من يعيش فيه.
ومن أجمل الأمثلة للوفاء مع العلماء وفاء أبي حنيفة لشيوخه، فلقد كان يدعو لشيخه حمّاد بن أبي سليمان مع أبويه في كل صلاة يصليها، وكان يحفظ له وُدّه، ويذكره دائما ويترحّم عليه، ولا ينسى له فضله، يذكره بالخير، ويثني على فضله، وينوّه بأثره فيه، ويدعو له، حتى قال أبو حنيفة : 'ما صليت قط إلا ودعوت لشيخي حماد ولكل من تعلمت منه علما أو علمته'، وفي رواية : 'ما صليت صلاة منذ مات حماد إلا استغفرت له مع والديّ، وإني لأستغفر لمن تعلمت منه علما أو علمته علما'.
وكان الإمام أحمد يكثر من الدعاء للشافعي، فسأله ابنه عبد الله قائلا : يا أبتِ أيّ شيء كان الشافعي؟ فإني سمعتك تكثر من الدعاء له. فقال لي : يا بني، كان الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للناس، فَهَلْ لِهَذَيْنِ مِنْ خَلَفٍ، أَوْ مِنْهُمَا عِوَضٌ؟
4) الوفاء مع الوالدين
للوالدين فضل عظيم، وحق كبير على أبنائهم، إذ لا يخفى على أحد ما يبذله الوالدان من غال ونفيس، وما يتحملانه من نصب وتعب في سبيل نشأة أبنائهم وتربيتهم ورعايتهم، فمن حقهم على الأبناء حسن الوفاء بالطاعة والتواضع والإحسان. ومن واجبنا تجاه والدينا رعايتهم ومكافأتهم على ما قدموه لنا في صغرنا، فعلينا الإحسان لهما ويكون ذلك بالإخلاص لهما ولما قدماه لنا من اهتمام ورعاية، والدعاء لهما في حياتهما وبعد مماتهما بأن يرحمهما الله.
5) الوفاء بين الأزواج
أ- الوفاء مع الزوجة
👈وفاء الزوج لزوجته يكون باحترامها وتقديرها، والوفاء بما اشترطه على نفسه لها، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ".
👈وفاء الزوج لزوجته يكون بأداء حقوقها، والإحسان إليها، وإكرامها، والاعتراف بفضلها ومكانتها، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، وَمَا رَأَيْتُهَا، وَلَكِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا، وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً، ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ -أي صديقاتها-، فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ : كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلَّا خَدِيجَةُ، فَيَقُول ُ: "إِنَّهَا كَانَتْ، وَكَانَتْ، وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ".
ب- الوفاء مع الزوج
وفاء الزوجة لزوجها يكون بطاعته واحترامه وتقديره، والوقوف إلى جانبه في عسره ويسره، وعدم نكران فضله وجحود عطائه. فالأيام دول، فكم من غني أصبح فقيراً، وكم من عزيز أصبح ذليلاً، وكم من قوي أصبح ضعيفاً، فالزوج قد تنزل به المحن والمصائب، فتتحول صحته إلى مرض، ويتحول غناه إلى فقر، وتتحول قوته إلى ضعف، وهنا يظهر معدن الزوجة الصالحة الوفية التي تقف إلى جوار زوجها في كل ضيق ومصيبة، تؤنسه وتواسيه، وتثبته، وتخفي عيوبه وتستر ذنوبه، ولا تنسى أيام الغنى والسعة، وأيام الصحة والقوة، وتردد دوماً قول الله جل وعلا: (وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) البقرة الآية 237، وتنظر إلى زوجها نظرة رحمة وأدب، ونظرة حنان وتواضع، وهي تقول له : 'أبشر أيها الزوج الحبيب! أنا لا أنسى أنك فعلت كذا وكذا وقدمت لي كذا وكذا ثم تذكره بقول ربها: (هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ) الرحمن الآية 60.
6) الوفاء مع الكفار
في العام السادس الهجري، عقد المشركون مع المسلمين صلح الحديبية، وكان من شروط الصلح أنه إذا أسلم أحد من المشركين، وذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم رده إلى قومه. وبعد عقد الصلح مباشرة، جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو، وأعلن إسلامه، فلما رآه أبوه سهيل بن عمرو الذي كان يعقد الصلح مع النبي صلى الله عليه وسلم قام إليه وعنفه، وَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ، قَدْ وَلَجَتِ الْقَضِيَّةُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكَ هَذَا. قَالَ : "صَدَقْتَ"، وَصَاحَ أَبُو جَنْدَلٍ بِأَعْلَى صَوْتِهِ : يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أَأُرَدُّ إِلَى الْمُشْرِكِينَ يَفْتِنُونَنِي فِي دِينِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي جَنْدَلٍ : "أبا جَنْدَلٍ اصْبِر ْوَاحْتَسِبْ، فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لَكَ وَلِمَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، إِنَّا قَدْ صَالَحْنَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ وَجَرَى بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الْعَهْدُ، وَإِنَّا لا نَغْدِر"، أخرجه الإمام أحمد والبيهقي.
روى مسلم عن حُذَيْفَة بْن الْيَمَانِ قَالَ : مَا مَنَعَنِي أَنْ أَشْهَدَ بَدْرًا إِلاَّ أَنِّي خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي - حُسَيْلٌ – قَالَ : فَأَخَذَنَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ، قَالُوا : إِنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّدًا؟ فَقُلْنَا : مَا نُرِيدُهُ، مَا نُرِيدُ إِلاَّ الْمَدِينَةَ. فَأَخَذُوا مِنَّا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَنَنْصَرِفَنَّ إِلَى الْمَدِينَةِ وَلاَ نُقَاتِلُ مَعَهُ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ فَقَالَ : "انْصَرِفَا، نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ".