📁مقالات منشورة :

العفة (الجزء الثاني : مجالاتها)

العفة (الجزء الثاني : مجالاتها)

   تحدثنا في الجزء الاول عن معاني العفة وعن انواعها، وأما هذا الجزء الثاني سنخصصه كله لمجالات العفة.

 الجزء الثاني : مجالات العفة

مجالات العفة كثيرة بالنسبة لكل مسلم ومسلمة، ونلخصها فيما يلي :

1) عفّة الطعام والشراب :

  تتمثل في الامتناع عن إدخال أي شيء مصدره حرام إلى الجوف؛ امتثالاً لأمر الله تعالى ورسوله، وطلباً لرضا الله وتجنّباً للعقاب.

2) عفّة الجوارح :

  أي امتناع العين والأذن واللسان واليد والرجل والفرج عن التعرّض للمحرمات، وهذه تحتاج إلى مغالبة الشهوات وكبح جماح النفس ليتمكّن صاحبها من ضبط جوارحه وعدم استخدامها إلا في الحلال، وسنفصل في عفتي الفرج واللسان  لأن الشرع اعطى لهما أهمية كثيرة :  

أ- عفة الفرج :

  وهو أن يصون المسلم والمسلمة نفسه وفرجه عما حرم الله من الوقوع في هوة الرذيلة وقد جاء في القرءان الكريم إشارة إلى هذه العفة في قوله تعالى : (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)  النور الآية 33.
 عن عبد الرّحمن بن عوف رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : "إذا صلّت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، قيل لها: ادخلي الجنّة من أيّ أبواب الجنّة شئت" رواه أحمد. وعن أبي برزة رضي اللّه عنه عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : "إنّما أخشى عليكم شهوات الغيّ في بطونكم وفروجكم ومضلّات الهوى" رواه أحمد.
وهذه الآيات والاحاديث لم تكن في يوم من الأيام عبارات تقرأ، بل كانت واقعا تطبيقيا في حياة المسلمين والمسلمات.

هذه بعض الامثلة على عفة الفرج :
👈 عفة نبي الله يوسف عليه السلام :
فهو رمز للعفة والطهارة، والخوف من الله، فلا نجد خيراً منه رمزاً ومثلاً؛ لما جاء في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله "...وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّى أَخَافُ اللَّهَ..." متفق عليه.
 فها هي امرأة العزيز تراوده وهي ذات منصب وجمال، كما أنها هيأت له كل السبل التي تحقق لهما الخلوة التامة، ودون أن يكتشف ذلك أحداً، ولكنه يأبّى ذلك لاستحضار مُراقبة الله له وخوفه من غضبه... (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ  وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) يوسف الآيتين 23و24.

👈 ما لي ولعبيد بن عمير :
  يقول ابن الجوزي رحمه الله صالح بن أحمد بن عبد الله بن مسلم العجلي، قال : 'حدثني أبي، قال : حدثني عبد الله، قال : كانت امرأة جميلة بمكة، وكان لها زوج، فنظرت يوماً إلى وجهها في المرآة، فقالت لزوجها : أترى أحداً يرى هذا الوجه لا يفتتن به، قال : نعم، قالت : ومن؟ قال: عبيد بن عمير، قالت : فأذن لي فيه فلأفتننه، قال : قد أذنت لك.
 قال : فأتته كالمستفتية، فخلا معها في ناحية من المسجد الحرام. قال : فأسفرت عن وجه مثل فلقة القمر، فقال لها : استتري يا أمة الله، قالت : إني قد فتنت بك فانظر في أمري، قال : إني سائلك عن شيء، فإن أنت صدقت نظرت في أمرك، قالت : لا تسألني عن شيء إلا صدقتك. قال : أخبريني، لو أن ملك الموت أتاك ليقبض روحك كان يسرك أني قضيت لك هذه الحاجة؟  قالت : اللهم لا.
 قال : صدقت، فلو أدخلت قبرك فأجلست للمساءلة أكان يسرك أني قضيت لك هذه الحاجة؟ قالت : اللهم لا.
 قال : صدقت، فلو أن الناس أعطوا كتبهم فلا تدرين أتأخذين كتابك بيمينك أو بشمالك، أكان يسرك أني قضيت لك هذه الحاجة؟ قالت : اللهم لا.
 قال : صدقت، فلو أردت الممر على الصراط فلا تدرين تنجين أم لا تنجين، أكان يسرك أني قضيت لك هذه الحاجة؟ قالت : اللهم لا.
 قال : صدقت، فلو جيء بالموازين وجيء بك لا تدرين تخفين أم تثقلين، أيسرك أني قضيت لك هذه الحاجة؟ قالت : اللهم لا.
 قال : صدقت. قال : فلو وقفت بين يدي الله تعالى للمساءلة، كان يسرك أني قضيت لك هذه الحاجة؟ قالت : اللهم لا، قال : صدقت، فاتق الله يا أمة الله، فقد أنعم الله عليك وأحسن إليك.
 قال : فرجعت إلى زوجها، قال : ما صنعت؟ قالت : أنت بطال ونحن بطالون. فأقبلت على الصلاة والصوم والعبادة.
 قال : فكان زوجها يقول : مالي ولعبيد بن عمير أفسد علي امرأتي كانت لي في كل ليلة عروساً، فصيرها راهبة.

ب- عفة اللسان :

  وهي أن يمسك المسلم لسانه عن كل مالا يحبه الله تعالى من غيبة ونميمة واستهزاء وسخرية وطعن في أعراض المسلمين وعن فحش القول وزوره.
 فالله تعالى اخبرنا انه سيحاسبنا عن أقوالنا كما سيحاسبنا عن أفعالنا، من الله تعالى على عباده بعينين ولسان وشفتين، وخيرهم بين طريق الخير والشر، حيث قال تعالى (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) ق الآية 18، الواجب على المسلمة أن تنتبه لما يخرج من فمها، فإن الملائكة تحصي كل كلمات ابن آدم. وقال أيضا (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) الأحزاب الآيتين 70و71، وصَّى الله عز وجل عباده المؤمنين أن يتقوه فيما تنطق به الألسنة، آمراً عباده المؤمنين، وواعداً لهم بعظيم ما يكون من الخير في الدنيا والآخرة إذا اتقوا الله في اللسان.

 من اتقى الله في لسانه، فإن الله وعده أن يصلح حاله، وأن يحسن عاقبته ومآله، وأنه يفوز فوزاً عظيماً.
 عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال : قلتُ يا رسولَ اللهِ ما النَّجاةُ قال : "أمسِكْ عليكَ لسانَكَ، وليسعْكَ بيتُك، وابكِ على خطيئتِكَ" حسن للترمذي.
 عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال : 'إن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة، اعتق النسمة، وفك الرقبة، فإن لم تطق ذلك فأطعم الجائع، واسق الظمآن، وأمر بالمعروف، وانه عن المنكر، فإن لم تطق ذلك فكف لسانك إلا عن خير'.

 جاء رجل إلى وهب فقال له : إن فلانا شتمك، فقال له : أما وجد الشيطان بريدا غيرك؟
وجاء آخر إلى عمرو بن عبيد فقال له : إن الأسواري لم يزل يذكرك ويقول : الضال، قال عمرو : يا هذا والله ما رعيت حق مجالسته إذ نقلت إلينا حديثه، ولا رعيت حقي حين أبلغتني عن أخي ما أكرهه، اعلم أن الموت يعمنا، والبعث يحشرنا، والقيامة تجمعنا والله يحكم بيننا'.

3) عفّة الجسد :

  وهي ستره وعدم إظهار عورته، وذلك للرجل والمرأة على حدٍّ سواء، وكلٌّ منهما له عورته التي حدّدها الشارع الكريم ويجب الالتزام بسترها.  

4) العفة عن المسألة :

  وهي أن يكف المسلم نفسه عن مسألة الناس وأن يكون عزيز مستغنيا بالله تعالى لا ما نراه الآن في الطرقات والمواصلات والأسواق وعلى أبواب المساجد من أناس جعلوا المسألة وسيلة لجمع المال واتخذوا ذلك حرفة ووظيفة.
 ولقد ضرب الفقراء في عهد سيد الأصفياء صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة على العفة وصون النفس قال الله  تعالى : (لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) البقرة الآية 273. قال ابن عجيبة (أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ)، أي : من أجل تعففهم عن السؤال. وقال ابن القيم : 'وَصفَهم بتركهم مسألة الناس، فلا يسألونهم'.
 عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال : "ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس" متفق عليه.
 وكره رسول الله أن يكون لأحدنا ما يَعِف به ثم تراه يستشرف ما عند الآخرين. فعن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِي رضي الله عنه  قَالَ : سَرَّحَتْنِي أُمِّي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم -يعني لأسأله من حاجة شديدة-، فَأَتَيْتُهُ وَقَعَدْتُ. فَاسْتَقْبَلَني وَقَالَ : "مَنِ اسْتَغْنَى أَغْنَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَنِ اسْتَعَفَّ أَعَفَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَنِ اسْتَكْفَى كَفَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَنْ سَأَلَ وَلَهُ قِيمَةُ أُوقِيَّةٍ فَقَدْ أَلْحَفَ -ألح من غير اضطرار-". فَقُلْتُ : 'نَاقَتِي الْيَاقُوتَةُ خَيْرٌ مِنْ أُوقِيَّةٍ، فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَسْأَلْهُ' صحيح النسائي، والأوقية أربعون درهما. ولذلك كرهوا لمن له هذا المقدار أن يسأل الناس، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : "من سأل وله أربعون درهما فهو الملحف" صحيح النسائي.
 ومثل ذلك من كانت له استطاعة بدنية على العمل والكسب، ثم يفضل الاتكال على الغير، يستجديهم ويسألهم. يقول النبي صلى الله عليه وسلم : "لَا يَفْتَحُ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ مَسْأَلَةٍ، إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ. يَأْخُذُ الرَّجُلُ حَبْلَهُ، فَيَعْمِدُ إِلَى الْجَبَلِ، فَيَحْتَطِبُ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَأْكُلُ بِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ مُعْطًى أَوْ مَمْنُوعًا".

 ومطية العفاف الصبر. فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِي رضي الله عنه أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ : "مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ" متفق عليه.
 وهو ما يؤكده قول النبي صلى الله عليه وسلم : "استغنوا عن الناس ولو بشَوْصِ السواك -أي بفتاته".

 ولذلك كان أحدهم يستعف أن يسخر غيره في أدنى الأمور، وعن ثوبان قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : "مَنْ يَضْمَنُ لِي وَاحِدَةً وَأَضْمَنُ لَهُ الْجَنَّةَ؟". قَالَ ثوبان : أَنَا يَا رَسُولَ الله. قَالَ : "لاَ تَسْأَلِ النَّاسَ شَيْئاً".َ فَكَانَ سَوْطُ ثَوْبَانَ يَسْقُطُ وَهُوَ عَلَى بَعِيرِهِ، فَيُنِيخُ حَتَّى يَأْخُذَهُ، وَمَا يَقُولُ لأَحَدٍ نَاوِلْنِيهِ" رواه أحمد.
 ولقد فتح المسلمون مقر كسرى، وبعثوا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه بما وجدوه من نفائس قصره بما في ذلك تاجه ليوزعها على الفقراء، فبكى عمر وقال لعلي بن أبي طالب  رضي الله عنه : 'إن قوما أدوا هذه الأمانة كاملةً غير منقوصة لأمناء'. فقال علي رضي الله عنه: 'يا أمير المؤمنين، عَففتَ فعفوا، ولو رَتعتَ لرتعوا'.

 5) العفّة عن أموال الغير :

  الحرص على عدم أخذ أموال الناس بغير الحقّ، والتعفّف عن مال اليتيم لمن يرعاه، إلا إن كان فقيراً وبحاجة، فله أن يأخذ حاجته فقط.

aboussalih
aboussalih
ينشر في هذا الموقع كل ما له علاقة بالاسلام والمجتمع
تعليقات