📁مقالات منشورة :

العفة (الجزء الأول : تعريفها وانواعها)

 
العفة (الجزء الأول : تعريفها وانواعها)

     حديثنا في هذه الحلقة عن خلق رفيع من الأخلاق التي أمرت به الشريعة الغراء إنها العفة. لقد دعا الإسلام إلى التَّحلي والتَّخلق بكل خلقٍ حسن، فإنما يُعرف المسلم بأخلاقه الحَسَنة، ويمتاز عن غيره بتمسُّكه بها، ومما ينبغي على المسلمين أن يتميزوا به من الأخلاق خُلُق العفّة، والعفة تعني البعد عن الفواحش والرذائل والقدرة على ضبط الشهوات التي تدعو إليها النفس البشرية، فهي جُلبة على حبِّ الهوى، وطاعة النَّفس الأمّارة بالسوء، وكلما ابتعد المسلم عن الشهوات والملذّات كان أقرب للتحلي بالعفة التي توصل إلى تقوى الله والقُرب منه.
والعفّة خُلُقٌ إسلاميّ رفيع يشمل جانبين: 
الجانب المادي: وهو الكفَّ عن السؤال حفاظاً على ماء الوجه، والاستغناء عمّا في أيدي الناس، كذلك الابتعاد عن الملذّات والاكتفاء بما يسدّ حاجة الجسد بالحلال. 
والجانب المعنوي: يعني الكفَّ عن الحرام بأنواعه، وضبط النفس عن الشهوات والانحرافات، وطهارتها وتزكيتها من أهوائها وتمسّكها بالفضائل والمحاسن.

1) تعريف العفّة

أ- العفة في اللغة :

مصدر عفَّ، يقال : عَفَّ عن الحرام يعِفُّ عِفَّةً وعَفّاً وعَفَافَةً أي: كفَّ، فهو عَفٌّ وعَفِيفٌ، ويقال : المرأة عَفَّةٌ وعَفِيفَةٌ، وأعَفَّهُ الله، واسْتَعَفَّ عن المسألة أي : عفَّ، وتَعَفَّفَ: تكلف العِفَّةَ. والعِفة الكَفُّ عما لا يَحِلُّ ويَجْمُل، والاسْتِعْفاف طلَبُ العَفافِ.

ب- العفة في الاصطلاح :

يمكن تعريف العفة في الاصطلاح بأنها هيئة للقوة الشهوية، متوسطة بين الفجور الذي هو إفراط هذه القوة والخمود الذي هو تفريطها، فالعفيف من يُباشر الأمور على وفق الشرع والمروءة.
وقيل أيضا هي ضبط النفس عن الملذات الحيوانية، وهي حالة متوسطة بين الإفراط وهو الشره والتفريط وهو جمود الشهوة.
وبصفة عامة، العفة هي ضبط جماح النفس عن كل ما يدنسها ويبعدها عن القرب من الله تعالى.

2) العفة في القرآن الكريم

جاء ذكر العفة في نصوص القرآن الكريم في مواطن كثيرة، وفي حالات متعددة ومن هذه النصوص :
👈قال الله سبحانه وتعالى : (لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) البقرة الآية 273، في الآية الكريمة بيّن الله تعالى صفات فقراء المهاجرين الذين يستحقون الصدقات ولتعففهم يحسبهم من لا يعرف بأحوالهم أغنياء غير محتاجين للصدقات، لأنهم لا يسألون الناس حاجتهم، ولا يُظهرون احتياجهم.
👈وقال الله أيضا : (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها...) النور الآيتين 30و31، أمر الله عباده المؤمنين في الآية الكريم بأن يغضّوا من أبصارهم، فلا ينظروا إلى الأجنبيّات عنهم من النساء، وأن يحفظوا فروجهم، فلا يكشفوها لأحد إلا ما كان من الزوج لزوجه وهذا من العفة، ويصدق على ذلك أيضاً أن يحفظوا فروجهم من الوقوع في المحرم، بارتكاب الزنا والفواحش، وغير ذلك.
👈وقال تعالى كذلك : (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ) النور الآية 33،  أمر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية من لا يستطيع الزواج لعدم وجود الزوج أو الزوجة، أو لعدم القدرة المادية على الزواج أن يستعفف، أي: أن يعفّ نفسه بالصبر، والصيام، والصلاة، ويتصبَّر على ذلك بالطاعة حتى لا يتطلع إلى الحرام، ويبتعد عن الفواحش، والملذات.
👈وقال سبحانه أيضا : (وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ) يوسف الآيات 23و24و25،  تناولت الآيات الكريمة الحديث عن عفّة نبي الله يوسف عليه السلام وحفظ الله له من الوقوع في الحرام والآثام والمعاصي، وكيف أنه امتنع عن الوقوع في الحرام رغم تهيئة جميع الأسباب المادية له، من تمكين من الوقوع في الحرام دون اطلاع أحدٍ عليه من الناس، فامتنع عن ذلك خوفاً من الله، ولما تحمله نفسه من العفة.

3) العفة في السنة النبوية

  جاء النبي صلى الله عليه وسلم ليتمم مكارم وصالح الأخلاق ومن بين تلك الأخلاق الرفيعة خلق العفة فها هو صلى الله عليه وسلم  يرسي معالم العفة ويحث النفوس على الاستقبال إليها والصيرورة من أهلها.
 عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ثلاثة حق على الله عونهم : المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف". أي العفة من الزنا. قال الطيبي: إنما آثر هذه الصيغة إيذانا بأن هذه الأمور من الأمور الشاقة التي تفدح الإنسان وتقصم ظهره، لولا أن الله تعالى يعينه عليها لا يقوم بها، وأصعبها العفاف لأنه قمع الشهوة الجبلية المركوزة فيه، وهي مقتضى البهيمية النازلة في أسفل السافلين، فإذا استعف وتداركه عون الله تعالى ترقى إلى منزلة الملائكة وأعلى عليين.

وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "اضمنوا لي ستا من أنفسكم أضمن لكم الجنة : اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم" رواه أحمد.

4) أنواع العفة

  يمكن تقسيم العفة إلى نوعين رئيسين، وبهما يمكن تمييز المسلم الملتزم بأخلاق الإسلام عن غيره من الناس :

أ) العفة عن المحارم

 ويُقصد بها الكف عن محارم المسلمين، من الدم والمال والعرض، وهذه العفة نوعان عند العلماء، الأول : ضبط الفرج عن الحرام؛ أي عدم الاقتراب الفعلي من الحرام سواء بالزنا أو ما قاربه من المحرمات، والثاني كفّ اللسان عن الأعراض؛ أي من الفحش والتفحش بالكلام كالغيبة والنميمة، والخوض في أعراض الناس، وغير ذلك.

ب) العفة عن المآثم والمعاصي

 وهي نوعان: الكف عن المجاهرة بالظلم؛ أي الكف عن ظلم الناس جهاراً نهاراً، وعدم الخوف من الله تعالى عند ظلم الناس، وعدم الاعتراف بظلمهم مع علم الظالم في سريرة نفسه أنه ظالم، وكفّ النفس عن الإصرار على الخيانة، سواء كان ذلك في الظاهر أو الباطن؛ في الظاهر أمام الناس، وفي الباطن في سريرة نفسه.
aboussalih
aboussalih
ينشر في هذا الموقع كل ما له علاقة بالاسلام والمجتمع
تعليقات