📁مقالات منشورة :

حديث "نعم صلي امك"

حديث نعم صلي امك

         عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ : قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم  فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قُلْتُ : إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ، وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ : "نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ" متفق عليه.

 

أولا) تعريف بالسَّائِلَةٌ :

 هِيَ أم عبد الله أَسْمَاءَ بِنْتُ أَبِي بَكْرِ الصديق، القرشية، التميمية، شقيقة عبد الله بن أبي بكر وزوج الزبير بن العوام.

وُلِدَتْ أسماء قَبْلَ الهجرة بسبعٍ وعشرينَ سنة وهي أسن من أختها لأبِيهَا عائشة رضي الله عنها، أسلمت بعد سبعة عشر إنسانًا، وهاجرت إلى المدينة وهي حامل بعبدِ الله بن الزُّبير، فوضَعته بقُباءَ.

 كانت تسمى: 'ذَاتَ النِّطاقَيْنِ' لأنها صنعت للنبي صلى الله عليه وسلم ولأبيها سفرة لما هاجرا، فلم تجد ما تشدُّها بها، فشقّت نطاقها، وشدّت السفرة به، فَسمّاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات النِّطاقين.

 عاشت وطال عمرها، وعَمِيَت، وبقيت إلى أن قتل ابنها عبد الله، سنة ثلاث وسبعين، وماتت بعده بعشرة أيام أو نحوها، ولها مائة سنة، روت عن النبي صلى الله عليه وسلم عدة أحاديث، روى عنها ابنها عروة وعبد الله بن عباس، وعباد بن عبد الله بن الزبير، وأبو بكر وعامر ابنا عبدالله بن الزبير، وغيرهم رضي الله عنهم.

 

ثانيا) شرح المفردات :

 رَاغِبَةٌ : الراء والغين والباء أصلانِ؛ المراد هنا : طلبٌ لشيءٍ 

أَصِلُها: هي ضَمّ شيءٍ إلى شَيء حتى يَعْلَقَهُ، والوَصْل ضِدُّ الهجْران.

 وَصَلْتُ الإنْسَانَ؛ أصلُه: بَرَرْتُه، وأيضًا أعطيتُه، ويُسَمَّى عكسُهُ قطْعًا.

 وصلةُ الرحم : الإحسان إلى ذوي القرابة والتعطُّف عليهم والرفق بهم ورعاية أحوالهم، وقطعها ضدّ ذلك كله.

 

ثالثا) فوائدِ الحديثِ :

 فوائد هذا الحديث القصير كثيرة جدا، ولكن نذكر منها ما يلي:

 1- صحبة الوالدان المشركان واجبة

  حُسن الصُّحبةِ للوالدين المُشرِكَيْن واجِبَةٌ بكتابِ الله وسُنَّة نَبِيِّه صلى الله عليه وسلم، لأن الله قال : (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ). فأمر الله سُبحانه ببرِّهما والإحسَان إليهما وإن كانا مشركين، ومن السنة حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها.

 

 2- الحرص على الاستبراء في الدين

  في قول السائلة أسماء رضي الله عنها : 'فاستفيت رسول الله صلى الله عليه وسلم' دليلٌ على فضل أسماء رضي الله عنها، وحرصها على الاستبراء لأمر دينها ، وتحري حكم الشارع فيما عرض لها من التباس الواجب وهو صلة الوالدة بالمحرم وهو موالاة الكافر. والمتعيِّنُ لمن شُبِّه له مثل هذا وجهل وجه الحقِّ فيه المبادرة إلى السؤال والبحث عن الصواب قبل إتيانه والوقوع في الحرج.

 

3- اقوال في قولها :'راغبة'

   قدوم أمِّ أسماء بنت أبي بكرٍ على ابنتها وهي 'رَاغِبَةٌ' معناه : مشركة راغبة عن الإسلام كارهة له، طامعة في بِّر ابنتها ومكافأتها ورفدها والقرب منها، خائفة من ردِّها وهداياها، كارهة للإسلام فلم تقدم راغبة في الدين والإقامة في المدينة مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو تفسير الجمهور الراجح، يؤيده ما رواه البخاري رحمه الله بلفظ : 'وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم' الحديث.

 وروى الحاكم عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال : قدمت قتيلة بنت العزى بن أسعد من بني مالك بن حسل على ابنتها أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها وكان أبو بكر طلّقها في الجاهلية، فقدمت على ابنتها بهدايا، ضبابًا وسمنًا وأقطًا، فأبت أسماء أن تأخذ منها وتقبل منها وتدخلها منزلها حتى أرسلت إلى عائشة أن سلي عن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم  فأخبرته فأمرها أن تقبل هداياها وتدخلها منزلها، فأنزل الله عز وجل : (َلا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) سورة الممتحمة الآية 8.

أمَّا من قال معناه : راغبة في الإسلام فهو مرجوح :

 - لأنه لم يرد في شيءٍ من الروايات ما يدلُّ على إسلامها، قال النووي رحمه الله : اختلف العلماء في أنها أسلمت أم ماتت على كفرها، والأكثرون على موتها مشركة.

 

- ولأنها لو كانت راغبة في الإسلام لم تحتج إلى إذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

  ومما يؤكد هذا ما جاء في رواية البخاري وأبي داود: 'وهي رَاغِمَةٌ مُشْرِكَةٌ .. '.

 أي: كارهةٌ للإسلام ساخطة له، وكارهَة لإسلامي وهجرتي. وليس معنى 'راغمة' هاربة من قومها مهاجرة، لأنه لو كان مرادًا لقالت أسماء 'مراغمة' بإثبات ميم اسم الفاعل، كما في قوله تعالى : (وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَّحِيماً) سورة النساء الآية 100.

 

4- التصدق على المشرك 

   قال ابن عبد البر رحمه الله : لم يختلف العلماء في جواز صدقة التطوع من المسلم على المشرك، قريبا كان أو غيره، والقريب أولى ممن سواه والحسن فيه أتم وأفضل. أما دفع الصدقة الواجبة الزكاة فلا تجوز لهم لأنها حق المسلمين.

 وقال القاضي عياض رحمه الله : فيه جواز صلة المشــرك ذي القرابة والحرمة والذِّمام.

 وقبول هديته، لقوله تعالى : (َلا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) سورة الممتحمة الآية 8.

 فهي رخصة من الله تعالى في صلة الكفّار من ذوي القرابة وغيرهم، ما داموا على عهدٍ مع المسلمين، لم يقاتلوهم، فيتناول معنى الآية والدة أسماء التي قدمت في صلح الحديبية وكل من كان في معناها لأن اللفظ عام.

 وقيل؛ المراد بالآية (َلا يَنْهَاكُمُ) النساء والصبيان لأنهم ممن لا يقاتل فأذن الله في برِّهم.

 وقيل؛ إن الآية (َلا يَنْهَاكُمُ) في أول الإسلام عند الموادعة وترك الأمر بالقتال، ثم نسخ بآية :  (فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) سورة التوبة الآية 5.

 

قال بن بطال رحمه الله : فلا يجوز اليوم مهاداة المشركين ولا متاحفتهم إلا للأبوين خاصة -إن كان لهما عهد- لأن الهدية فيها تأنيس للمهدى إليه، وإلطافٌ له وتثبيتٌ لموّدته، وقد نهى الله عن التودُّد للمشركين بقوله : َ(لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) سورة المجادلة الآية 22.

 وأكثر أهل التأويل على أنها محكمة غير منسوخة والآية (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ) عامة في حق من قاتل، والآية المذكورة (لا يَنْهَاكُمُ) خاصَّة في حق من لم يقاتل.

 قال ابن حجر رحمه الله وغيره : البرِّ والصِّلة والإحسَان لا يستلزمُ التحابّ والتوادّ المنهي عنه بقوله (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ)  ولا يعارض الأمر بالبراءة من الشرك وأهله.

 قال ابن قدامة رحمه الله : وقد حصل الإجماع على جواز الهبة.

 قال الخطَّابي رحمه الله : فيه أن الرحم الكافرة توصل من المال ونحوه كما توصل المسلمة، ويستنبط منه وجوب النفقة للأب الكافر والأم الكافرة إن كان الولد مسلمًا.

 

5- الوصل للمرأة بدون مشاورة الزوج

   قال ابن بطال رحمه الله : أباح النبي صلى الله عليه وسلم  لأسماء أن تصل أمها، ولم يشترط لها في ذلك مشاورة زوجها، ففيه حجة لمن أجاز من الفقهاء أن تتصرف المرأة في مالها، وتتصدق بغير إذن زوجها.

وهذا هو فقه الترجمة التي عقدها البخاري رحمه الله لهذا الحديث، فقال: باب صلة المرأة أمها ولها زوج، والضمير في لها يعود على المرأة أو على أمها.

 

6- جواز مصالحة الكفار

  من فقه الحديث جواز مصالحة الكفار وحسن معاملتهم زمن الصلح.

aboussalih
aboussalih
ينشر في هذا الموقع كل ما له علاقة بالاسلام والمجتمع
تعليقات